لم تعد الضفة الغربية مجرد جبهة أمنية ثانوية للحكومة الإسرائيلية منذ اندلاع حرب غزة، بل تحولت إلى ميدان مركزي لإعادة رسم الوقائع السياسية والديموغرافية، وورقة انتخابية حاسمة مع اقتراب الانتخابات العامة الإسرائيلية المقررة في نهاية تشرين الأول/أكتوبر المقبل.
تصاعد التصعيد الميداني جك. والتحشيد العسكري غير المسبوق في الضفة الغربية
منذ الأحداث الأخيرة، تبدو الضفة الغربية مرشحة للدخول في مرحلة أكثر خطورة، تتجاوز الاقتحامات المحدودة إلى احتمال إخلاء بلدات فلسطينية كاملة تحت ذرائع أمنية. ويستند هذا الطرح إلى تسلسل من الأحداث الميدانية والقرارات العسكرية:
-هجوم بلدة تل (جنوب غرب نابلس): انتهى باستشهاد أربعة فلسطينيين ومقتل إسرائيليين اثنين عقب اقتحام المستوطنين، وأعقبه إعلان الجيش عن عملية عسكرية واسعة وإلغاء إجازات الجنود.
-حادثة سوسيا (جنوب جبل الخليل): أضافت ذريعة جديدة لتوسيع العمليات في جنوب الضفة.
-انتشار عسكري غير مسبوق: دفع الجيش بـ 26 كتيبة عسكرية إلى الضفة الغربية، وهو حجم تحشيد يعكس استعداداً لعمليات واسعة وطويلة الأمد تتجاوز مجرد الرد السريع.
الخطاب السياسي الاستيطاني وتكرار نموذج المخيمات
تتزايد المخاوف نتيجة التصريحات الصادرة عن قيادات الائتلاف الحاكم:
دعوات التهجير العلنية: دعا وزير المالية بتسلئيل سموتريتش علناً إلى إخلاء قرى فلسطينية وتوسيع الاستيطان.
نموذج جنين وطولكرم ونور شمس: أدت العمليات العسكرية المستمرة هناك إلى تهجير عشرات الآلاف؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة إلى استمرار نزوح أكثر من 33 ألف لاجئ من مخيمي طولكرم ونور شمس حتى الآن.
تحذيرات النخبة الأمنية الإسرائيلية وموقف “قادة من أجل أمن إسرائيل”
في تطور لافت يعكس اتساع الشرخ الداخلي، وجّه نحو 600 مسؤول وقائد سابق من الجيش والموساد والشاباك والشرطة والسلك الدبلوماسي (ضمن منظمة “قادة من أجل أمن إسرائيل”) رسالة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ـ مطالبة بالضغط على نتنياهو: لاستغلال لقائه المرتقب معه لوضع حد لـ “إرهاب المستوطنين”.
ـ استخدام مصطلح “الإرهاب اليهودي”: التحذير من أن عنف المستوطنين هو المسبب الرئيسي لاحتمال انفجار الأوضاع وتقويض الاستقرار الإقليمي ومصالح واشنطن.
ـ الدلالة السياسية: إشارة جلية إلى انقسام عميق بين اليمين الاستيطاني التوسعي والنخبة الأمنية التي ترى في هذه السياسات خطراً مباشراً على أمن إسرائيل.
ـ البعد الانتخابي: الضفة الغربية كساحة دعاية لليمين
تاريخياً، تُخاض الانتخابات الإسرائيلية على إيقاع الأمن والحروب. وفي ظل تراجع قوة اليمين في استطلاعات الرأي مقارنة بتلك الذروة إبان حرب غزة، تشكل القضايا الأمنية الوسيلة الأسرع لاستعادة الناخب اليميني.
ـ المزايدة السياسية: كلما اشتدت المنافسة الداخلية، ارتفعت وتيرة التشدد ضد الفلسطينيين.
ـ التوظيف الميداني: توسيع العمليات وفرض سياسات التهجير يُمثّلان أدوات لحشد الأصوات الانتخابية أكثر من كونها مجرد استجابة لضرورات أمنية.
ـ السيناريوهات المستقبلية المتوقعة في الضفة الغربية
1. توسيع العمليات دون تهجير شامل (الأكثر ترجيحاً قريباً):
تكتيك يقوم على تكثيف الاقتحامات، فرض الحصار، زيادة الاعتقالات والاغتيالات عبر الطائرات المسيرة لإظهار القبضة الصارمة دون تحمّل كلفة التهجير الجماعي.
2. الإخلاء المؤقت للبلدات والأحياء:
فرض حصار وإجبار السكان على المغادرة بحجة البحث عن مطلوبين، مع مخاطرة تحول هذا “الإخلاء المؤقت” إلى واقع دائم كما حدث في مخيمات الشمال.
3. التوظيف الانتخابي المباشر:
تسابق أحزاب الائتلاف لتقديم برامج متطرفة (توسيع الاستيطان، فرض سيطرة أمنية) لاستغلال الحوادث الميدانية في مكاسب صندوق الاقتراع.
4. الانفجار الشامل (السيناريو الأكثر خطورة):
خروج الأوضاع عن السيطرة بسبب اعتداءات المستوطنين وتصاعد الضحايا، مما يفرض أعباءً استراتيجية وتوزيعاً للقوات بين غزة والضفة ولبنان.
الخلاصة:
تُظهر المعطيات أن أي تصعيد قادم في الضفة الغربية لن يكون مجرد رد فعل أمني، بل هو جزء من معركة سياسية وانتخابية أوسع، تحولت فيها معاناة الفلسطينيين وبلداتهم إلى ورقة للمزايدة الحزبية قبل توجه الناخبين الإسرائيليين إلى صناديق الاقتراع.
المصدر: الترا فلسطين