يمر الذهب بمرحلة شديدة الحساسية بعد تراجعات واسعة أبعدته عن المستويات القياسية التي سجلها مطلع العام، في وقت تترقب الأسواق أحداثاً قد تحدد اتجاهه خلال الأيام المقبلة، أبرزها نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية وبيانات الوظائف والبطالة المنتظرة الجمعة.
ويتداول الذهب، الثلاثاء، قرب 3914 دولاراً للأونصة، بعد أن هبط نهاية الأسبوع الماضي إلى نحو 3881 دولاراً، وهو أدنى مستوى له منذ تشرين الأول/أكتوبر 2025، قبل أن يعوض جانباً من خسائره. وكان المعدن الأصفر قد سجل مستوى قياسياً قرب 5595 دولاراً للأونصة في كانون الثاني/يناير الماضي، ليفقد منذ ذلك الحين نحو 30% من قيمته.
وبين التراجع الكبير عن القمة والتقلبات التي تشهدها الأسواق، يعود السؤال بالنسبة إلى من يملكون الذهب أو يفكرون في شرائه: هل الوقت مناسب للدخول إلى السوق، أم للبيع، أم أن الانتظار أقل مخاطرة؟
وقال الخبير الاقتصادي والمستشار المصرفي محمد سلامة، إن أسواق الذهب تمر حالياً بمرحلة ترقب، في ظل احتمال حدوث تحركات واسعة في الأسعار خلال الأيام المقبلة، مدفوعة بنتائج الانتخابات الأميركية والبيانات الاقتصادية المنتظرة.
وتجري انتخابات التجديد النصفي الأميركية اليوم الثلاثاء، فيما تصدر بيانات الوظائف والبطالة الأميركية لشهر تشرين الأول يوم الجمعة 6 تشرين الثاني، وهي من المؤشرات التي تراقبها الأسواق عن كثب لما لها من تأثير في توقعات أسعار الفائدة وحركة الدولار.
وأوضح سلامة أن نتائج الانتخابات وبيانات سوق العمل قد تدفع أسعار الذهب إلى التحرك صعوداً أو هبوطاً، ما قد يخلق فرصاً للشراء عند مستويات أقل أو للبيع إذا عادت الأسعار إلى الارتفاع.
ورجّح أن تتحرك أونصة الذهب، في ظل المعطيات الحالية، ضمن نطاق يتراوح بين 3800 و4200 دولار، ما لم تطرأ مستجدات استثنائية، خصوصاً على صعيد التوترات الجيوسياسية.
لكن هذه المستويات لا تنتقل بصورة مطابقة إلى السوق الفلسطينية، إذ عادة ما يكون السعر المحلي أعلى من السعر العالمي الظاهر على شاشات التداول.
وكانت مديرية دمغ ومراقبة المعادن الثمينة قد أوضحت، في أيلول/سبتمبر 2024، أن خصوصية السوق الفلسطينية وارتفاع تكاليف استيراد الذهب يمكن أن ترفع سعر الأونصة محلياً بنحو 50 إلى 70 دولاراً فوق السعر العالمي. ولا يعني ذلك أن هذا هو مقدار الفارق القائم حالياً، إذ يتغير الفرق وفق ظروف العرض والطلب والسوق. وتجد الإشارة إلى عدم وجود مسار واضح ومعلن لاستيراد الذهب إلى فلسطين، ويدخل معظمه بطرق غير رسمية.
وسبق أن اتسع الفارق في السوق الفلسطينية خلال فترات استثنائية؛ ففي أيلول 2024 رصدت المديرية أسعاراً تزيد بنحو 300 دولار للأونصة على السعر العالمي، واعتبرت الزيادة حينها غير مبررة، وربطتها بارتفاع الطلب على الذهب للتحوط.
وتختلف الكلفة الفعلية أيضاً بحسب شكل الذهب الذي يشتريه المواطن. ففي المشغولات الذهبية تدخل المصنعية والربحية ضمن السعر النهائي، إلى جانب قيمة الذهب نفسها، بينما تعد سبائك الذهب في السوق الفلسطينية نقداً متداولاً وتخضع لضريبة قيمة مضافة بنسبة صفر.
ولهذا، فإن الحديث عن مستويات 3500 أو 4500 دولار للأونصة يجب فهمه باعتباره إشارة إلى سعر الذهب في السوق العالمية، وليس سعراً يمكن للمستهلك الفلسطيني بالضرورة الشراء أو البيع عنده مباشرة.
ويرى سلامة، أن تراجع الأونصة إلى مستويات قريبة من 3500 دولار قد يشكل، وفق تقديره، فرصة أكثر جاذبية للشراء، فيما قد يمثل صعودها باتجاه 4500 دولار فرصة للبيع لمن يبحث عن تحقيق مكاسب.
إلا أنه حذر من أن اتخاذ قرار سريع بالبيع أو الشراء في الوقت الحالي ينطوي على مخاطر مرتفعة، خصوصاً بالنسبة إلى من يدخل السوق بهدف تحقيق مكاسب خلال فترة قصيرة، بسبب صعوبة توقع اتجاه الأسعار في ظل كثرة العوامل المؤثرة.
ويفرق سلامة بين الاستثمار قصير الأجل وبين الاحتفاظ بالذهب لفترات أطول، موضحاً أن البيع قد يكون خياراً مطروحاً لبعض المستثمرين قصيري الأجل، بينما يبقى الشراء مناسباً، وفق رؤيته، لمن ينظر إلى الذهب كاستثمار متوسط أو طويل الأجل.
لكن تداخل العوامل الحالية يجعل التريث الخيار الأكثر تحفظاً في الوقت الراهن، بحسب سلامة، إلى حين اتضاح رد فعل الأسواق على نتائج الانتخابات الأميركية وبيانات سوق العمل.
ونصح الراغبين في البيع أو الشراء بعدم التسرع أو مطاردة حركة الأسعار اليومية، معتبراً أن الانتظار قد يمنح المشتري فرصة للدخول عند مستويات أقل، أو يمنح البائع فرصة أفضل إذا استعادت الأسعار اتجاهها الصاعد.
وتبقى مستويات 3500 دولار للشراء أو 4500 دولار للبيع تقديرات خاصة بسلامة وليست نقاطاً مضمونة لتحرك السوق، إذ يتأثر الذهب بمجموعة واسعة من المتغيرات، من بينها أسعار الفائدة الأميركية والدولار وعوائد السندات والتوترات الجيوسياسية والطلب الاستثماري ومشتريات البنوك المركزية.
وتشير التطورات الأخيرة إلى حجم التقلب الذي يمكن أن يشهده المعدن الأصفر؛ فبعد بلوغه مستوى قياسياً قرب 5595 دولاراً مطلع العام، هبط إلى ما دون 3900 دولار نهاية تشرين الأول، قبل أن يعود إلى محيط 3900 دولار مطلع تشرين الثاني.
وبالنسبة إلى المستهلك الفلسطيني، تصبح المعادلة مزدوجة: متابعة اتجاه الذهب عالمياً أولاً، ثم مراقبة الفارق بين السعر العالمي والسعر المتداول محلياً، إضافة إلى المصنعية وهوامش البيع والشراء، قبل اتخاذ قرار قد يكون مكلفاً إذا بني على سعر “الشاشة” وحده.