بعد 10 ساعات من الاحتجاز مقيد اليدين في الطابق العلوي من منزله، استطاع الشاب محمود نزال، من بلدة قباطية جنوب مدينة جنين، الوصول إلى عائلته المحتجزة في غرفة أخرى في الطابق السفلي حيث كان الخوف والرعب يحاصر أطفاله وجميعهم دون سن الثامنة.
كان ذلك الاثنين الماضي، حين اقتحم جيش الاحتلال منزل نزال وحوّله إلى ثكنة عسكرية ومركز تحقيق مع معتقلين من البلدة، وذلك للمرة الخامسة.
وفي المنزل، كانت مخلفات جيش الاحتلال تخبر عما جرى خلال ساعات اقتحامه؛ إذ تناثرت قطع قماش استخدمت لتغطية عيون من اعتُقلوا من البلدة واقتيدوا للتحقيق إلى المنزل.
يقول نزال إن جنود الاحتلال فجّروا مدخل المنزل قبل اقتحامه مع ساعات الفجر الأولى، ثم احتجزوا أفراد العائلة في الطابق العلوي، قبل أن يقتادوا الأطفال والنساء إلى غرفة صغيرة في الطابق الأرضي دون تقديم تفسيرات، ويضيف “احتجزوا 3 عائلات في غرفة واحدة”.

انتهاكات
وحول ما جرى، يوضح نزال: “تم تقييدي طوال فترة الاقتحام وأجبروني على الجلوس أرضا، ومنعت من التواصل مع أطفالي وأطفال أشقائي، وكان الأمر صعبا بالنسبة لي، وكنت خائفا عليهم”.
ومثل هذه الإجراءات تصيب الأهالي بالذعر وتتسبب في أزمات نفسية للأطفال، ويتساءل: “كيف يحول الاحتلال منازل العائلات إلى مراكز تحقيق وثكنات عسكرية؟ هذا الأمر مناف للإنسانية والمنطق”.
وكان جيش الاحتلال قد احتجز قرابة 50 مواطنا من قباطية، وحوّل بعضهم للاستجواب داخل المنزل، قبل أن يفرج عنهم وعلى أجسادهم علامات ورموز لم يفهموا مغزاها.

18 اقتحامًا
ويروي مؤيد عباس (56 عاما) من قرية فقوعة قرب جنين، معاناته المتكررة مع اقتحام منزله وتحويله إلى ثكنة عسكرية منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. ويقول: “حتى اليوم، تم إجباري على إخلائه لأكثر من 18 مرة، بحجة قربه من جدار الفصل الإسرائيلي، وفي كل مرة يتم اقتحام القرية، يجبرونني على تركه”.
ويضيف عباس “اليوم أعيش مع عائلتي بشعور السكن المؤقت؛ ففي أي لحظة يمكن أن أُطرد من منزلي لأسباب عسكرية، كما يقولون، ولأمد يحددونه هم”.
“أخرج مع ورقة موقّعة من ضابط الكتيبة، تظهر حقي في الاعتراض، لكنها لا تعني شيئاً على أرض الواقع، ولا يمكنني الاعتراض على الأمر العسكري”، كما قال.

“لن أرحل”
وقبل أسابيع، اقتحم جيش الاحتلال منزل عباس، وأخبره أنه سيستخدم السطح لمدة ساعتين، وأنه غير مجبر على إخلائه، لكن ذلك لا يلغي الإحساس بعدم الأمان والاستقرار لدى عائلته، حتى صار أبناؤه يطالبونه بالرحيل عن المنزل وبناء آخر في أي مكان بالبلدة أو حتى خارجها.
ويضيف “قالوا لي أولادي: سنكون مثل 40 ألف نازح الذين هُجّروا من مخيمات شمال الضفة، ذلك أهون من البقاء في المنزل”.
ويدرك عباس جيدا حقيقة ما يقولون، لكن لا يمكنه أن يقبل بالرحيل “لأن ذلك ما يريده الاحتلال. لن أترك بيتي الذي بنيته بتعبي وشقائي، وكلفني نحو 80 ألف شيكل (نحو 26.6 ألف دولار)، ولي في كل زاوية منه ذكرى”.
ويتسبب الاحتلال في كل اقتحام، بتخريب ودمار في المنزل ومقتنياته، كان آخرها في شهر رمضان الماضي، حيث أُبعد عباس عن منزله 17 يوما، عدا عن سرقة ألفي شيكل (نحو 666 دولاراً) وحصالة طفلة صغيرة من داخله.
ويقول: “في كل مرة أضطر إلى إجراء إصلاحات فيه، لكن الأهم أنني أصبحت لا أحمل نقوداً في جيبي إلا ما يكفيني ليومي فقط، خوفاً من مداهمة مفاجئة وسرقة ما في البيت”.
أبعد من الاقتحام
وفي بلدة يعبد، إلى الجنوب من جنين، والتي يقتحمها جيش الاحتلال بشكل شبه يومي، كانت عائلة إياد القنيري على موعد مع إخلاء منزلها قسرا، تمهيداً لتحويله إلى نقطة عسكرية مدة 48 ساعة.
ويصف صاحب المنزل ما حدث، قائلاً إنه “نكبة جديدة”، ويضيف “داهم الجنود المنزل المكون من 3 شقق، حيث أسكن أنا وإخوتي، وأعطونا مهلة 20 دقيقة لإخلائه وحمل ما نريد. ماذا يأخذ الإنسان معه وهو مجبر على ترك بيته؟ حملنا فقط ملابس تكفينا. بكل صدق، ترك المنزل أمر صعب جدا، ويترك شعورا ثقيلا على النفس”.
ويتابع أن كل عائلة تشتت في جهة؛ “بقيت زوجتي في منزل شقيقتها، وأنا عند أهلي، وإخوتي عند أقاربنا”.
ويوضح أنه ومنذ بدء الحرب على غزة، لا يهدأ الاحتلال ليلاً ولا نهاراً، وتستمر الاقتحامات في كل الضفة “لأنهم لا يريدوننا هنا، والهدف أن تبقى الأرض من دون السكان، فإن المغزى ليس في البيت، بل في كل الوطن”.
يحتمون بالمنازل
من جهته، يقول المدير العام لمؤسسة الحق شعوان جبارين إنه لا يوجد أي أساس قانوني لسلوك الاحتلال الحالي، رغم ادعائه بوجود أسباب أمنية.
ويتابع جبارين: “الجيش يدعي وجود حجج أمنية لاحتلال المنازل وتحويلها إلى ثكنات وإخراج أهلها منها، لكن كل التجارب أثبتت أن هذه المنازل وأصحابها والبيوت القريبة منها لا تشكل أي تهديد أمني عليه أو على مستوطنيه. بل على العكس، الاحتلال أحياناً يلجأ إلى الاحتماء داخلها خلال عملياته ضد المواطنين في البلدات والقرى والمخيمات”.
وبحسبه، فإن الاتفاقيات الدولية حددت اعتبارات ضيقة ومحددة وواضحة لاستخدام الممتلكات الخاصة، كالمنازل وغيرها، لأغراض عسكرية، وهو ما لا يأخذه جيش الاحتلال بالاعتبار.
ويضيف أن القانون الدولي تحدث بشكل واضح عن ضرورة تعويض أصحاب المباني والممتلكات عن أي ضرر قد يلحق بها جراء استخدامها لأغراض عسكرية عند الضرورة القصوى، لكن محكمة الاحتلال أقرت قانوناً يلتف على القانون الدولي ويفرض عدم التعويض عن أي ضرر تسبب فيه الجنود خلال أعمالهم العسكرية في ممتلكات الفلسطينيين.
المصدر: الجزيرة نت