عقد وزير أمن الاحتلال يسرائيل كاتس، أمس، اجتماعًا لمناقشة الأحداث في الضفة الغربية، مع رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير، ورئيس مديرية الاستخبارات العسكرية في الجيش.
وفي نهاية الاجتماع، أصدر تعليماته للجيش بإعداد خطة، بالتنسيق مع شرطة الاحتلال والسلطات المختصة، لنقل جميع صلاحيات “إنفاذ القانون المدني” في الضفة الغربية المحتلة إلى شرطة الاحتلال، “كما هو الحال في كل مكان في”إسرائيل”، وفق وصف الإعلام العبري.
ترافق القرار مع الهجوم الإرهابي للمستوطنين على قرية قصرة ومحاصرة ثلاثة منازل منذ 6 أيام.
وعاد المستوطنون، صباح الجمعة، إلى قرية قصرة في الضفة الغربية، بعدما أنشأوا بؤرة استيطانية يوم الأحد الماضي بالقرب من منزلين معزولين يملكهما فلسطينيون، مما أدى فعليًا إلى محاصرة سكانهما. وقبل يومين، قام جيش الاحتلال بإزالة خيمة للمستوطنين، لكن ذلك لم ينعكس على الحالة، إذ بقي المستوطنون في المكان.
وأمس الجمعة، وصلت قوات حرس حدود الاحتلال إلى الموقع وأزالت المظلة، لكن المستوطنين بقوا في مكان قريب، ينتظرون مغادرة قوات الاحتلال، في ظل تواطؤ معلن بين الجيش والمستوطنين.
وبحسب التقارير، ستقوم شرطة الاحتلال بتجهيز وتشكيل قوة مناسبة للتعامل مع قضايا المستوطنين، وستُمنح جميع الصلاحيات والميزانيات اللازمة. وسيواصل جيش الاحتلال التعامل مع الفلسطينيين، مع التركيز على حماية الحدود والمستوطنات.
ووفق ما ورد في صحيفة “معاريف”، اعتبر وزير أمن الاحتلال كاتس أن الجيش ليس مسؤولًا عن التعامل مع قضايا المستوطنين في الضفة، وذلك في ظل شرعنة أكثر من 100 مستوطنة، مشيرًا إلى أن الجيش سيستمر في تحمّل مسؤولية “مواجهة الفلسطينيين”، والتعامل مع الحدود وحماية المستوطنات، و”ليس مطاردة الصبية في التلال”، في إشارة منه إلى المستوطنين.
واعتبر كاتس أن “كامل مسؤولية إدارة شؤون المستوطنات والمستوطنين والقضايا المدنية وإنفاذها ستُنقل إلى الشرطة الإسرائيلية، التي ستكون مُلزمة بالاستعداد وفقًا لذلك”. وبينما تحدث كاتس عن الأمر باعتباره خطوة تقنية، فإنه لا ينفصل عن تصورات ضم الضفة الغربية، إذ قال إن هذه “تُعد خطوة مهمة في تعزيز الحوكمة وسيادة القانون والنظام”. كما ربطها بإتاحة المجال للجيش لـ”تنفيذ المهام الرئيسية”، وفق وصفه.
ووفق التسريبات، تعارض الشرطة الخطوة وتنتقدها، باعتبار أنه من غير المسموح للشرطة تولي مهام كاملة في الضفة، معتبرة أنه تصريح “غير مسؤول”، ويأتي في سياق موقف الجيش من الشرطة.
سياق القرار
اعتبر خبراء بارزون في القانون العسكري، بحسب ما نقلته “يديعوت أحرونوت”، أن إعلان وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس نقل صلاحيات إنفاذ القانون بحق المستوطنين من الجيش إلى الشرطة ليس أكثر من “خداع شعبوي لا مضمون له”، مؤكدين أن الشرطة تملك أصلًا معظم هذه الصلاحيات، لكن المشكلة تكمن في عدم استخدامها.
وقال الخبراء إن شرطة الاحتلال تملك الصلاحيات اللازمة لإنفاذ القانون بحق المستوطنين، إلا أنها لا تستخدمها، بحسب تقديرهم، بسبب السياسة التي يفرضها وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير. وأضافوا أن الجيش، “بموجب القانون الدولي، هو صاحب السلطة في المنطقة والمسؤول عنها وسيبقى كذلك”، متسائلين: “ما الذي سيتغير بالضبط؟ المطلوب ببساطة هو إنفاذ القانون، لا إطلاق تصريحات فارغة”.
وحمل الخبراء كاتس، الذي ألغى الاعتقالات الإدارية بحق المستوطنين في الضفة الغربية، إلى جانب الجيش والشرطة، مسؤولية التدهور في التعامل مع اعتداءات المستوطنين.
وكان كاتس قد أوعز إلى الجيش بإعداد خطة لنقل “جميع صلاحيات إنفاذ القانون” في القضايا المدنية المتعلقة بالمستوطنين والمستوطنات إلى الشرطة، على أن تنشئ الأخيرة قوة مخصصة لهذا الغرض وتحصل على الصلاحيات والميزانيات اللازمة. وقال إن الشرطة يجب أن تتعامل مع الإسرائيليين في الضفة الغربية “كما يحدث في أي مكان آخر في دولة إسرائيل”.
وتكشف تصريحات كاتس عن إشكالية أساسية في طرحه، إذ أشارت إذاعة الجيش الإسرائيلي إلى أن معظم صلاحيات إنفاذ القانون الجنائي بحق الإسرائيليين موجودة أصلًا لدى الشرطة. ويستطيع الجنود توقيف مستوطن وتسليمه إليها، لكن الجيش لا يتولى التحقيق الجنائي معه أو محاكمته أو احتجازه في منظومة السجون الإسرائيلية.
وتزداد الإشكالية وضوحًا في المناطق المصنفة “أ” و”ب”، حيث لا تدخل الشرطة الإسرائيلية إليها عمليًا بصورة مستقلة.
وعندما يقتحم مستوطنون قرية فلسطينية أو يعتدون على سكانها هناك، يبقى الجيش الجهة الموجودة ميدانيًا والقادرة على توقيفهم وتسليمهم إلى الشرطة.
وبحسب إذاعة جيش الاحتلال، فإن سحب هذه الصلاحية من الجنود قد يؤدي إلى وضع لا تبقى فيه جهة قادرة فعليًا على توقيف المستوطنين داخل تلك المناطق، ما لم تتغير قواعد عمل الشرطة وطريقة دخولها إليها. واعتبرت الإذاعة أن الخطة، بصيغتها المعلنة، إما غير قابلة للتطبيق أو قد تخلق فراغًا في إنفاذ القانون.
كما نقلت القناة 12 العبرية عن رئيس أركان الجيش، إيال زامير، قوله خلال اجتماع للكابينيت إن مهام الجيش في الضفة الغربية “آخذة في الاتساع”، في ظل الاستعداد لإقامة مستوطنات جديدة وتزايد المهام الملقاة على القوات.
وقال زامير: “لا يمكن أن يلاحق جنود الجيش حفنة تسيء إلى سمعة الاستيطان. نحن نعمل بالتعاون مع الشرطة، لكن من الملائم ألا ينشغل الجيش بهذه المهام بعد الآن”.
وذهبت إذاعة “كان” العبرية العامة إلى اعتبار أن إعلان كاتس “لا يحمل معنى عمليًا” في وضعه الحالي، موضحة أن الجيش هو صاحب السلطة في الضفة الغربية بموجب المنظومة القانونية القائمة، ويستعين بالشرطة وحرس الحدود في إنفاذ القانون بحق الإسرائيليين.
وأشارت الإذاعة إلى أن تغيير هذه المنظومة يتطلب إجراءات تشريعية، وهو ما لا يُتوقع إنجازه خلال عطلة الكنيست، ولا سيما مع بقاء نحو شهرين على الانتخابات. ورجحت أن يكون الإعلان، على الأرجح، محاولة لامتصاص احتجاجات المستوطنين ضد قوات الجيش التي تعمل أحيانًا على إخلائهم خلال اعتداءات في الضفة الغربية.
وفي السياق نفسه، نقلت القناة 12 عن مسؤول رفيع في قيادة الشرطة الإسرائيلية هجومه على كاتس عقب إعلانه، قائلًا: “ربما ينبغي أن نشرح لوزير الأمن ما هي ’الصلاحيات في يهودا والسامرة’. من الأفضل أن يتعلم كيف تسير الأمور، فهو يخلط بينها كثيرًا. عليه أن يؤدي واجبه المنزلي”.
وتتصل القضية كذلك بالتغييرات التي طرأت على منظومة إدارة المستوطنات. فقد أفادت “هآرتس” بأن صلاحيات واسعة في مجالات التخطيط والبناء والبنية التحتية انتقلت منذ عام 2023 من “الإدارة المدنية” إلى “إدارة الاستيطان” الخاضعة لبتسلئيل سموتريتش، ما أدى إلى توسيع الدور السياسي والمدني في إدارة شؤون المستوطنات.
وبحسب الصحيفة، أصبحت غالبية عمليات إخلاء البؤر الاستيطانية تحتاج أصلًا إلى موافقة جهات مدنية وسياسية، الأمر الذي يجعل إعلان كاتس بشأن نقل صلاحيات إنفاذ القانون إلى الشرطة جزءًا من منظومة أوسع من التغييرات التي تعيد توزيع الصلاحيات المتعلقة بالمستوطنين والاستيطان في الضفة الغربية.
من وراء الاقتراح؟
قالت صحيفة “معاريف” إن كواليس القرار وتوجيه كاتس لإعطاء شرطة الاحتلال المسؤولية عما يوصف بـ”إنفاذ القانون المدني في الضفة الغربية” كانت نتيجة اقتراح من يورام هاليفي، منسق حكومة الاحتلال في الضفة، الذي اقترح إنشاء قوة شرطة متخصصة.
وبحسب التقرير، قدّم هاليفي، وهو قائد شرطة سابق كان مسؤولًا عن منطقة القدس وحرس الحدود، بمبادرة منه، اقتراحًا إلى رئيس أركان الاحتلال إيال زامير قبل عدة أشهر، يقضي بإعادة توزيع المسؤوليات بين الجيش الإسرائيلي والشرطة الإسرائيلية. ومؤخرًا، وفي ضوء تصاعد الحوادث في الضفة الغربية، صاغ وثيقة أخرى قدّمها إلى وزير الأمن كاتس.
وكتب في الوثيقة أن جزءًا كبيرًا من المهام في المنطقة يتطلب “تدريبًا ومهارات وقدرات لا تُعدّ من صميم العمليات العسكرية”، وبالتالي “لا تتمتع وحدات الجيش الإسرائيلي بميزة نسبية في تنفيذها”. وبحسب الاقتراح، سيتم إنشاء قوة جديدة مخصصة تابعة للشرطة الإسرائيلية، وسيتم تدريبها على العمليات في الضفة، وستُمنح المسؤولية الكاملة عن إنفاذ القانون والنظام، إلى جانب تخصيص القوى العاملة والميزانيات اللازمة.
والهدف من الخطوة، من ناحية إسرائيلية، هو أن “تقلل من عبء المهام الملقى على عاتق القوات النظامية والاحتياطية، وأن تسمح للجيش بتوجيه المزيد من القوات والاهتمام إلى القتال والعمليات والتأهب للطوارئ والدفاع عن الحدود والمستوطنات في الضفة الغربية”.
الضم الفعلي للضفة الغربية وقتل الدولة الفلسطينية
ووفق الصحفي الإسرائيلي رون بن يشاي، فإن ما وراء القرار يعود إلى كون كاتس لم يسمح أساسًا بمواجهة “مثيري الشغب اليهود في قرية قصرة” من قبل جيش الاحتلال، ولذلك طالب إيال زامير بإعفائه من المسؤولية.
وقال بن يشاي في مقالة نشرته “يديعوت أحرونوت”: “كان كاتس سعيدًا بمطلب زامير، لأن نقل السلطة الكاملة لإنفاذ القانون في الأراضي إلى الشرطة الإسرائيلية، حتى في المسائل المدنية، يعني عمليًا ضمًا فعليًا، أو على الأقل خطوة إعلانية وقانونية مهمة في اتجاه ضم الضفة، حيث يتم إنفاذ القانون فقط من قبل شرطة الاحتلال، ولا يتدخل الجيش إلا في المسائل العسكرية الواضحة، مثل اعتقال الفارين من الخدمة العسكرية”.
ولم يفصل الصحفي الإسرائيلي بين الخطوة والانتخابات الإسرائيلية، لكنه أيضًا يؤكد أبعادها “السياسية”، ويقول: “يسعى كاتس إلى ترسيخ موقعه على اليمين كزعيم أيديولوجي قومي يميني يمنع قيام دولة فلسطينية ويضم الأراضي الفلسطينية إلى إسرائيل. وتُعد هذه الخطوة ذات دلالات سياسية دولية، ومن المتوقع أن تُثير ردود فعل من فقهاء القانون حول العالم وأن تُزيد من عزلة إسرائيل”.
وأشار بن يشاي إلى أن شرطة الاحتلال في الضفة الغربية “غير مستعدة وغير قادرة على تولي المهمة المطروحة”، وهي تحتاج إلى زيادة في الاستعداد والأعداد وتنسيق أكثر مع الجيش. وقال: “إلى حين تطبيق ’توجيهات’ وزير الأمن على أرض الواقع – إن تم تطبيقها أصلًا – سيستغرق الأمر بضعة أشهر على الأقل. وفي غضون ذلك، ستُجرى الانتخابات، وما سيحدث بعدها غير واضح. لكن في هذه الأثناء، حقق كاتس مكاسب سياسية كبيرة لدى قطاع المستوطنين في حزب الليكود، ربما تحسبًا ليوم تنحي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن منصبه”.
المستوطنون يرحبون
أعرب يسرائيل غانتس، رئيس مجلس بنيامين الاستيطاني ورئيس مجلس يشع الاستيطاني، عن دعمه للخطوة، قائلًا: “أهنئ يسرائيل كاتس على قراره المهم والضروري بنقل مسؤولية إنفاذ القانون في الشؤون المدنية في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية إلى الشرطة الإسرائيلية.
لقد حان الوقت لكي تُدار الحياة المدنية في الضفة الغربية كما تُدار في أي مكان آخر في دولة إسرائيل: فالشرطة مسؤولة عن إنفاذ القانون والنظام، بينما يركز الجيش الإسرائيلي على مهمته الأساسية، وهي الأمن ومكافحة الإرهاب”.
وأضاف غانتس: “هذه خطوة أخرى على طريق تصحيح واقع مستمر منذ عقود. الآن، علينا إتمام العملية، وإلغاء اتفاقيات أوسلو، وتطبيق السيادة الإسرائيلية الكاملة في الضفة الغربية.
لقد حان الوقت للانتقال من الإدارة المؤقتة إلى تطبيق القانون الإسرائيلي تطبيقًا كاملًا”.
إدانة فلسطينية: محو الخط الأخضر
قال نائب الرئيس الفلسطيني، حسين الشيخ: “ندين بشدة قرار الحكومة الإسرائيلية/ وزير الدفاع الإسرائيلي بنقل صلاحيات إنفاذ القانون في المستوطنات الإسرائيلية المقامة على أرض دولة فلسطين المحتلة إلى الشرطة الإسرائيلية”.
وأضاف الشيخ في تغريدة على منصة “إكس”، أن “هذه الخطوة تشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية والاتفاقيات الموقعة، ومحاولة جديدة لفرض القانون والسيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وتكريس الضم غير الشرعي للأرض الفلسطينية”.
وختم تصريح بالقول: “الاستيطان بجميع أشكاله غير شرعي، ولا سيادة لإسرائيل على أي جزء من أرض دولة فلسطين المحتلة عام 1967. ونطالب المجتمع الدولي، وفي مقدمته مجلس الأمن، بتحمل مسؤولياته ووقف هذه الإجراءات الإسرائيلية الأحادية والخطيرة، وإلزام إسرائيل بقرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي”.
بدورها، قالت حركة حماس، إن “قرار وزير حرب الاحتلال المجرم نقل صلاحيات تنفيذية متعلقة بالمستوطنين في الضفة الغربية المحتلة من الجيش إلى الشرطة الصهيونية، يمثل خطوة خطيرة على طريق فرض الضم الفعلي، وتكريس السيطرة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عبر فرض قوانين الاحتلال فيها، في انتهاك صارخ للقوانين الدولية التي تجرم الاستيطان”.
وتابعت: إن “نقل هذه الصلاحيات إلى شرطة الاحتلال، الخاضعة لسلطة الوزير المتطرف المجرم بن غفير، لا يمكن فصله عن سياسة حكومة الاحتلال الرامية إلى تعزيز الاستيطان وفرض وقائع جديدة في الضفة الغربية، وتوفير الغطاء ومزيد من الحماية لاعتداءات المستوطنين وجرائمهم المتصاعدة بحق أبناء شعبنا وممتلكاتهم ومقدساتهم”.
وحذرت حماس من “القرارات المتسارعة لحكومة الاحتلال الإرهابي، الرامية إلى تغيير الوضع القانوني والسياسي للضفة الغربية المحتلة، وفرض مخططات الضم والتهويد، وتقويض حق شعبنا في تقرير مصيره وإقامة دولته، ونؤكد ضرورة التصدي لها بكل الوسائل”.
ودعت الدول العربية والإسلامية، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، إلى تحرك سياسي ودبلوماسي عاجل لمواجهة مخططات الضم والاستيطان، والضغط لوقف هذه الإجراءات الخطيرة. كما دعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى تحمل مسؤولياتهما، و”عدم الاكتفاء بمواقف الإدانة، واتخاذ خطوات عملية لوقف مخططات الاحتلال ومحاسبته على انتهاكاته وجرائمه، وتوفير الحماية لشعبنا الفلسطيني وأرضه ومقدساته”.ط
من جانبها، قالت حركة الجهاد الإسلامي إن إعلان كاتس يعني عمليًا إلغاء “الخط الأخضر” إداريًا وقانونيًا بالنسبة للمستوطنين، ودمج المستوطنات بالداخل المحتل، وتثبيت فعلي لضم الضفة الغربية المحتلة وبسط سيطرة الاحتلال عليها.
وأضافت: “يضرب هذا القرار بعرض الحائط اتفاقية جنيف الرابعة والقرارات الأممية كافّة، وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن رقم 2334، ما يكشف أوهام الذين راهنوا على التسوية مع الكيان الغاصب، والذين روجوا للتطبيع معه بزعم حماية الحقوق الفلسطينية”.
وختمت تصريحها، بالقول: إن “من واجب المحكمة الجنائية الدولية التحرّك لملاحقة وزير الحرب الإسرائيلي الذي يواصل ارتكاب جرائم حرب وحرب إبادة ممنهجة في قطاع غزة والضفة وجنوبي لبنان، وكل الوزراء والمسؤولين الذين يحرضون على هذه السياسات”.
بدوره، قال أمين عام المبادرة الوطنية الفلسطينية، مصطفى البرغوثي، إن قرار كاتس “يمثل بداية الضم الفعلي للضفة الغربية، ويمنح المستوطنين الإسرائيليين الإرهابيين حرية مطلقة لمهاجمة الفلسطينيين من دون محاسبة، وهو جزء من خطة خطيرة للتهجير والتطهير العرقي”.
ودعا البرغوثي جميع المؤسسات الفلسطينية، وجميع الدول العربية والإسلامية، والمجتمع الدولي، ولا سيما الدول التي تتمسك بالقانون الدولي، إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لوقف الهجوم الخطير الجاري حاليًا ضد الشعب الفلسطيني، والذي سيؤدي إلى تصعيد خطير.
هندسة الضم
وبحسب تقدير موقف صادر عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، ورد فيه: “يقدر، بثقة مرتفعة، أن الخطوة تمثل حلقة إضافية في الضم بالوظائف، أي نقل صلاحيات الدولة تدريجيًا من قائد عسكري يفترض أن يدير إقليمًا محتلًا بصورة مؤقتة، إلى وزارات وأجهزة مدنية إسرائيلية دائمة. أما أثرها المباشر في توسع المستوطنات والبؤر في الضفة الغربية فمرجح لكنه مشروط بصيغة الخطة النهائية، إذ قد يقتصر النقل على التحقيق الجنائي والنظام العام، أو يمتد إلى أدوات التدخل الميداني التي يستخدمها الجيش في إخلاء البؤر الحديثة وإغلاق المناطق ووقف الاستيلاء الفوري على الأرض”.
وأوضح التقدير: “الشرطة الإسرائيلية ليست غائبة عن الضفة اليوم. فهي تمارس التحقيق والإنفاذ الجنائيين على الإسرائيليين بموجب صلاحيات مفوضة في الأمر العسكري رقم 1651، بينما يحتفظ ما يطلق عليه بقائد المنطقة الوسطى بالسلطة العليا، ويملك الجنود صلاحيات توقيف وتفتيش وتأمين موقع الجريمة والتدخل الأولي إلى أن تصل الشرطة، ولا سيما في المناطق التي لا تنتشر فيها الشرطة بصورة مستقلة. وتؤكد تقارير رقابية إسرائيلية أن الجيش والإدارة المدنية والشرطة يشتركون في منظومة الإنفاذ، تحت المسؤولية العامة للقائد العسكري”.
وأضاف: “بالتوازي، تطبق إسرائيل منذ 1967 جانبًا واسعًا من قانونها على الإسرائيليين في الضفة تطبيقًا شخصيًا وخارج الإقليم عبر أنظمة الطوارئ الخاصة بالاختصاص والمساعدة القانونية، فيما يخضع الفلسطينيون للأوامر والمحاكم العسكرية. وعليه، لا ينشئ توجيه كاتس الازدواج القانوني من الصفر؛ إنما ينقل الازدواج إلى مستوى المؤسسة التنفيذية ذاتها ويحاول جعل الشرطة تتصرف تجاه المستعمرين كما لو كانوا داخل إسرائيل”.
وأوضح أن “التفويض الداخلي لا يغير صفة الضفة الغربية كأرض محتلة ولا يعفي إسرائيل من التزاماتها. وتصبح دلالة الضم أقوى إذا خرجت الشرطة من تبعيتها الوظيفية للقائد العسكري، أو منحت ولاية مباشرة بموجب القانون الإسرائيلي وبسلسلة قيادة وميزانية مدنيتين مستقلتين”.
وحول ضم الضفة الغربية، قالت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان: “لا يتطلب الضم دائمًا إعلان السيادة رسميًا أو إحداث تغيير فوري في الحدود، بل يمكن أن يتحقق بصورة تراكمية عندما تمارس دولة الاحتلال وظائف الدولة الأساسية داخل الأرض المحتلة على نحو دائم، وتدمج فئة من سكانه في مؤسساتها وقوانينها. وقد تأسس هذا المسار منذ عام 1967 من خلال التوسع في تطبيق القانون الإسرائيلي تطبيقًا شخصيًا على المستوطنين، بالتوازي مع إبقاء الفلسطينيين خاضعين للحكم والقانون العسكريين، بما أنشأ نظامين قانونيين داخل الأرض المحتلة نفسها. غير أن هذا المسار أخذ منذ عام 2023 شكلًا مؤسسيًا وقطاعيًا أكثر وضوحًا، إذ مثل اتفاق غالانت/سموتريتش في آذار من ذلك العام محطة أساسية لنقل صلاحيات إدارية واسعة من القيادة العسكرية إلى وزير مدني داخل وزارة الأمن، بما نقل جانباً من بنية الحكم إلى مؤسسات مدنية إسرائيلية وأضعف مبدأ الإدارة العسكرية المؤقتة”.
وذكر التقدير أن هذا التحول تعمق بين أيار وتموز 2024 مع إنشاء “إدارة الاستيطان”، وتعيين نائب مدني لرئيس الإدارة المدنية، ونقل ملفات الأرض والتخطيط والإنفاذ والمشورة القانونية، الأمر الذي دمج إدارة المستوطنات والأرض في البيروقراطية الحكومية الإسرائيلية. وفي شباط 2026 انتقل المسار إلى توسيع الولاية الإسرائيلية مكانيًا، من خلال مد صلاحيات الإنفاذ إلى المنطقتين (أ) و(ب) في ملفات البيئة والمياه والآثار، وتسهيل شراء الأراضي وتسجيلها، وإجراء تغييرات في الصلاحيات داخل الخليل ومحيط قبة راحيل، بما تجاوز التقسيمات القانونية والإدارية التي كرستها الاتفاقيات. ويأتي توجيه كاتس في آب 2026 لإعداد خطة تجعل الشرطة الإسرائيلية مسؤولة عن إنفاذ القانون على المستوطنين” كما داخل إسرائيل” ليضيف حلقة جديدة إلى هذا المسار، تتمثل في نقل وظيفة الشرطة والإكراه القانوني إلى مؤسسة مدنية إسرائيلية، مع إبقاء الجيش موجهًا بصورة أساسية ضد الفلسطينيين.
ولخص التقدير الخطوات السابقة، بالقول: “بهذا المعنى، لا ينهي القرار الحكم العسكري في الضفة الغربية، بل يعيد هندسته على أساس قومي: يقلص حضوره عندما يمكن أن يقيد المستوطنين، ويبقي عليه ويشدده عندما يتعلق الأمر بضبط الفلسطينيين والسيطرة عليهم.
كما أنه لا يستبدل حلقات الضم السابقة المرتبطة بالأرض والتخطيط والبناء، بل يكملها بوظيفة شرطية مدنية تعزز دمج المستوطنين ومجالهم الجغرافي في مؤسسات دولة الاحتلال. وقد اعتبرت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري لعام 2024 أن امتداد القانون الإسرائيلي إلى ابمستوطنين والمستوطنات، بالتوازي مع ممارسة سلطات تنظيمية متسعة ودائمة داخل الأرض المحتلة، يشكل من العناصر التي ترسخ السيطرة الإسرائيلية، وتدمج أجزاء من الضفة الغربية في منظومتها المؤسسية والقانونية، وتدخل في تقييم حالة الضم الفعلي”.
المصدر: الترا فلسطين