
بين قوارب الهجرة ومسارات الاستيطان: من يملك الوعي يملك الأرض!
بين قوارب الهجرة، ومسارات الاستيطان
من أدرك قيمة الأرض؟
تمتلئ الشاشات هذه الأيام بمشاهد آلاف المهاجرين الذين يخاطرون بحياتهم في عرض البحر، بقصد الهجرة نحو السواحل الإسبانية، هربًا من واقع أنهكهم، وبحثًا عن فرصة حياة يعتقدون أنها أكثر كرامة.
مشهد الهجرة موجع لا يستدعي الشماتة بقدر ما يفرض سؤالًا مؤلمًا: كيف وصلت أمة كانت يومًا صانعةً للتاريخ إلى مرحلة أصبح فيها حلم شبابها الوحيد هو مغادرة أوطانهم؟

وعلى الضفة الأخرى من البحر، يتشكل مشهد مختلف تمامًا، لكنه يحمل دلالات أكثر خطورة، ففي فلسطين، لا يكتفي المستوطن بإقامة مستوطنة فوق أرض اغتُصبت بالقوة، بل يعمل بصبرٍ واستمرارية على تكريس حضوره فيها.
يشق مسارات للمشي، ويزرع الأشجار، ويثبت اللوحات الإرشادية، ويرفع الأعلام، وينظم الجولات والأنشطة، ليصنع مع الزمن علاقةً نفسية وثقافية بين المستوطن والمكان، وكأنه يوجه رسالة إلى العالم مفادها: هذه أرضي، وأنا ابنها.
يدرك الاحتلال أن السيطرة الحقيقية لا تتحقق بالبندقية وحدها، بل تُبنى أيضًا عبر الوعي والذاكرة والانتماء.
لذلك يستثمر في كل تلٍ ووادٍ وعين ماء، لأن الإنسان إذا عرف المكان وألفه وسار في دروبه، أصبح أكثر استعدادًا للدفاع عنه، وأكثر ارتباطًا به.
وفي المقابل، يفرض الواقع علينا أسئلة لا تقل قسوة: كم شابًا فلسطينيًا يعرف تضاريس وطنه كما يعرف شوارع مدينته؟ كم واحدًا زار القرى المهددة بالمصادرة، أو سار في الجبال التي يحاول الاحتلال ابتلاعها، أو وقف عند الينابيع التي تتعرض يومًا بعد آخر للسيطرة والتهويد؟
قوارب الهجرة ومبادرات المسارات
من هنا، فإن مبادرات المسارات الوطنية وتعزيز السياح الداخلية، لا يمكن النظر إليها بوصفها نشاطًا ترفيهيًا أو رحلةً عابرة. إنها فعل وطني وثقافي بامتياز، يعيد وصل الإنسان بأرضه، ويُعرّفه بتاريخها وجغرافيتها، ويؤكد حضوره في الأماكن التي يحاول الاحتلال فرض أمرٍ واقعٍ جديد فيها.

كم من مسارٍ سرناه تحيط به المستوطنات من كل جانب، وكم من جبلٍ أو نبعٍ وقفنا عنده ونحن نعلم أنه مستهدف بالمصادرة أو الإغلاق.
ومع ذلك كنا نذهب، نصور، نوثق، ونسير، لأن مجرد وجود الفلسطيني على أرضه رسالة بحد ذاتها، ورسالة تقول إن الأرض تحفظ أسماء أصحابها الحقيقيين، مهما حاول الاحتلال تزوير الرواية.
ويبقى السؤال الأكبر الذي ينبغي أن يهز ضمير الأمة: كيف أصبح المستوطن أكثر إصرارًا على تثبيت وجوده في أرض ليست له، بينما تحوّل حلم كثير من أبناء أمتنا إلى البحث عن الهجرة إلى وطنٍ بديل؟
إن معركة فلسطين لم تكن يومًا معركة حدود فحسب، بل هي معركة وعي، وهوية، وذاكرة، وانتماء، وكل شاب يعرف أرضه، ويسير في جبالها، ويوثق جمالها، ويحفظ روايتها، إنما يشارك في حماية الذاكرة الوطنية، ويقاوم محاولات الطمس والاقتلاع.
لقد آن الأوان لأن ندرك أن الدفاع عن الأرض لا يبدأ عندما تُطلق الرصاصة، بل يبدأ عندما نعرفها، ونسير في دروبها، ونروي حكايتها، ونمنع تحويلها إلى مجرد اسم على خارطة تتنازعها الروايات.
فالأرض التي يغيب عنها أصحابها، سيملؤها غيرهم حضورًا وروايةً وادعاءً، ومع مرور الزمن قد تصبح الأكذوبة حقيقةً في نظر من لم يشهد الوقائع.
والله من وراء القصد.
بقلم: رشيد لفداوي
