الأخبار

مراقبة بلا قانون: الكاميرات تلاحق المواطنين في كل مكان

على مدار أكثر من عامين، تحاول فتحية رشيد (اسم مستعار)، من حي عين منجد بمدينة رام الله، انتزاع حقها في الخصوصية، بعد أن وجه جيرانها كاميرا مراقبة نحو مدخل منزلها وحديقتها بشكل مباشر و”متعمد”، على حد قولها.

لجأت فتحية (67 عاماً)، التي تسكن في الطابق الأرضي إلى القضاء الفلسطيني في سبيل الحصول على حقها بالخصوصية، بعدما حاولت مراراً حل الأمر ودياً مع الجيران الذين يسكنون في الطابق الأول من البناية المقابلة، وإقناعهم بإزالة الكاميرا أو تغيير وجهتها على الأقل، ولكن من دون جدوى؛ ما جعلها تلجأ في البداية إلى وضع أغطية كبيرة “شوادر” على مدخل البيت علّها تحجب المشهد. لكنّ الجيران أعادوا تثبيت الكاميرات بارتفاع أعلى، لتظل العدسة مصوبة على بابها مباشرة. “الانتهاك كان مقصوداً، مش صدفة”، تقول فتحية.

تتابع: “تخيلي حياتك كلها مسجّلة، أي ساعة بطلع وأي ساعة بدخل، حتى لو بدي أنزل عالجنينة لازم أكون لابسة ومتحجبة كأني برا (خارج) البيت، ما بقدر أوقف على البلكونة ولا أتحرك براحة“.

معاناة فتحية رشيد استمرت لعامين، إذ تم تكليف خبير هندسي بالتوجه إلى المكان ومعاينته، وبناء على تقرير الخبير الذي أكد أن الكاميرا تكشف مدخل البيت بشكل مباشر، صدر قرار قضائي بإزالتها، وتعويض فتحية بمبلغ مالي عن الأضرار وتكاليف الأغطية.

لكن حتى قرار المحكمة لم يُنفذ طوعاً. تضيف فتحية: “الجيران ما ردوا على الحكم، بالنهاية اضطرت الشرطة تيجي وتشيل الكاميرات بنفسها“.

تقول فتحية إن قصتها تكشف فراغاً قانونياً، فبالنسبة لها، القضية لم تكن مجرد نزاع جيرة، بل انتهاك لحق أساسي في الخصوصية، تضيف: “كنت بتمنى يصدر قرار حاسم بهذا الموضوع، لأنه مش بس الناس بتستغلها عشان مآربها الخاصة، كمان العدو يستغل الكاميرات“.

وبالرغم من أن المحكمة أنصفتها، ترى فتحية أن الحكم غير كاف، مبينة أنه من غير المعقول أن يذهب كل مواطن إلى القضاء ويقف أمام المحاكم لسنوات فقط من أجل انتزاع حقه بالخصوصية، الأصل أن يكون هناك قانون واضح يمنع نصب كاميرات تنتهك خصوصية الناس، لأن البيوت لها حرمة، وفق قولها.

قرار المحكمة العليا الفلسطينية في القضية المرفوعة من قبل فتحية رشيد بخصوص كاميرات المراقبة الموجهة نحو منزلها

كاميرات في كل مكان.. وقانون طي الكتمان

خلال السنوات الأخيرة، انتشرت كاميرات المراقبة بشكل كبير في الضفة الغربية، خاصة مع توفر كاميرات بأسعار رخيصة في السوق، لا تزيد أحياناً على 50 دولاراً، وهو ما أسهم في نشر هذه الكاميرات في الشوارع، وفي أماكن العمل وحتى في البيوت، فلم يعد الأمر يتعلق بالحفاظ على الأمن والحماية من السرقات وغيرها فحسب، بل أصبحت بيوت كثيرة في المدن والقرى والمخيمات تنصب هذه الكاميرات بشكل عشوائي، من دون أي مراعاة لخصوصية السكان في المنطقة، ولا لخطر استغلال تسجيلات هذه الكاميرات لأغراض أخرى من أي جهة كانت، وسط غياب أي إطار قانوني ينظم استخدام هذه الكاميرات، بشكل يكفل عدم انتهاك الخصوصية.

عام 2021، أحالت الحكومة الفلسطينية في الضفة الغربية مشروع قانون إلى الرئيس محمود عباس، لتنظيم استخدام كاميرات المراقبة، من دون اطلاع أو مشورة أحد كما يؤكد حقوقيون، وبقي المشروع طي الكتمان. يسلط هذا التقرير الضوء على مخاطر الكاميرات على خصوصية الأفراد، وسط تلكؤ الحكومة الفلسطينية في تنظيم هذا الفضاء.

زر الذهاب إلى الأعلى
تلفزيون المدينة

مجانى
عرض