الأخبار

أمراض خطيرة ونادرة تصيب العاملين في انتشال الجثامين في غزة

يعاني قصي صرصور من مرضٍ في الكلى لم يستطع ستة أطباء تشخيصه، بدأ بعد استنشاقه ما يقول إنه “رذاذٌ خرج من جثامين شهداء متحللة”، أثناء عمله ضمن طواقم الدفاع المدني في انتشال جثامين الشهداء في قطاع غزة.

 

الخطر لا يقتصر على انتشال الجثامين من تحت الأنقاض، فنقل الجثامين المنتشرة في الأماكن العامة قد يكون أخطر بسبب تحللها المتقدم فوق التربة

 

ويخوض عناصر الدفاع المدني معركةً مميتةً في قلب حرب الإبادة منذ أكثر من عامين، إذ يصلون إلى المناطق المدمرة وحتى الخطيرة لانتشال جثامين الشهداء من تحت الأنقاض. ومع كل جثةٍ ينتشلونها، يقتربون خطوة من خطر الإصابة بأمراضٍ قاتلةٍ أو لا علاج لها، وسط غيابٍ شبه تام لمعدات الحماية الأساسية، وسوقٍ سوداء تستغل الأزمة لبيع ما هو متوفر بأسعار خيالية.

 

الرذاذ المميت

 

وعلى مدار عامين من الإبادة، ثم ثلاثة شهور بعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي لم تلتزم به إسرائيل، عمل قصي صرصور في انتشال جثامين الشهداء دون وسائل الحماية اللازمة، بما في البدلات الواقية والكمامة والقفازات الخاصة.

 

ويوضح قصي أنه أصيب بداءٍ في الكلى مباشرة بعدما استنشق ما يشبه الرذاذ خلال انتشاله جثامين الشهداء من مقبرة جماعية قرب مستشفى الشفاء، وأخرى قرب مخازن وزارة الصحة في شارع الوحدة.

 

وبيّن قصي أن أحد زملائه أصيب بجرثومةٍ في المعدة ذات طبيعةٍ نادرة، وآخر بجرثومةٍ في الدم قبل أن يفارق الحياة. ويقول: “كل واحدٍ فينا تقريبًا يعاني من مشكلة صحية ما، فحتى نخرج جثمانًا لإكرامه بالدفن نعرض حياتنا للخطر”.

 

قصف الاحتلال بيت قصي خلال الحرب واستُشهد إثر ذلك 11 شخصًا من عائلته. يقول: “عندما يأتي أحدٌ ويقول لي أريد أن أجد جثمان ابني أو أبي أقول في نفسي: هذا قد يكون أخي، لا يمكنك أن تقول له لا. فعملنا إنساني بحت، وكل ما نطلبه هو الحد الأدنى من الحماية لنستمر في هذا العمل”.

 

وتعرض قصى شخصيًا لإصابات جسدية ثلاث مرات بسبب تساقط كتلٍ اسمنتيةٍ أثناء البحث عن جثامين، فحتى اللحظة ليس لديه خوذة يرتديها أثناء عمله، مشيرًا إلى أن جيش الاحتلال دمر مخازن الدفاع المدني بما تحتويه من معدات، ولم تستجب أي منظمة دولية لمناشدات الجهاز توفير المعدات اللازمة لحماية طواقمه.

 

بيئة عمل خطرة

 

ويكشف مدير العلاقات العامة في الدفاع المدني محمد الميدنة أن أمراضًا تنفسية وهضمية تتفشى بين طواقم الجهاز في غزة، مبينًا أن المصابين بأزماتٍ تنفسيةٍ يأخذون علاجنًا مؤقتًا، لكن الأزمة تعود إليهم مجددًا لأنهم مجبرون على العودة لنفس بيئة العمل الخطرة.

 

ويؤكد الميدنة، في حديثه لـ”الترا فلسطين”، أن هذه المخاطر ليست مجرد احتمالات، فقد أدت إلى وفاة أحد العاملين، مشيرًا إلى أن الخطر لا يقتصر على انتشال الجثامين من تحت الأنقاض، فنقل الجثامين المنتشرة في الأماكن العامة قد يكون أخطر بسبب تحللها المتقدم فوق التربة. ويقول: “نحن نستخدم وسائل بدائية، مجرد قفازات وكمامات غير مناسبة على الإطلاق لهذه المهام الخطرة”.

 

ويوضح الميدنة أن الدفاع المدني قدم طلباتٍ عديدةٍ إلى المؤسسات الدولية مباشرةً لتوفير معدات السلامة، ثم عن طريق وزارة الصحة على أمل أن يكون الأمر أسهل، “ولكن للأسف دائمًا كان الرفض يأتي دائمًا من الإسرائيليين”.

 

سوق سوداء والمساعدات معدومة

 

ويقول مدير الدعم الإنساني في الدفاع المدني محمد المغير: “نحن لا نخشى الموت من القصف فقط، بل من الأمراض التي قد تنتقل إلينا في أي لحظة”، مشددًا على أن الخطر الأكبر هو التعامل مع الجثامين دون وسائل حماية كافية.

 

ويضيف المغير، في حديثه لـ”الترا فلسطين”، أن خطر الجثامين ليس مجرد مخاوف محتملة، بل حقيقة أكدتها وفاة عامل في الجهاز بعد أن أصيب بمرض في الدم نتيجة تعامله المباشر مع الجثامين المتحللة.

 

ويُفصّل المغير أنواع المعدات الحيوية المفقودة مبينًا أن أجهزة قياس الغازات السامة، وكمامات التنفس المتخصصة، وخُوذ الحماية من الكتل الخرسانية، وحتى الأحذية المناسبة، كلها غير متوفرة لدى الدفاع المدني. وأضاف: “أما ما هو موجودٌ في السوق المحلي رديء وتجاري ولا يفي بمواصفات السلامة”.

 

خطر الجثامين ليس مجرد مخاوف محتملة، بل حقيقة أكدتها وفاة عامل في الجهاز بعد أن أصيب بمرض في الدم نتيجة تعامله المباشر مع الجثامين المتحللة.

 

وتحدث المغير عن “تجار حرب”، وفق وصفه، يبيعون معداتٍ قديمةٍ بأسعار خيالية. وقال: “هذه السوق السوداء لا تُهدد فقط ميزانيات فرق الإنقاذ، بل حياة أفرادها بصورة مباشرة”. وكمثالٍ على تضخم الأسعار قال المغير: “المولد الكهربائي الذي كان سعره أربعة آلاف شيكل وصل اليوم إلى 40 ألف شيكل. وحتى السترة التعريفية البسيطة قفزها سعرها من 80 شيكلاً إلى ما يزيد عن 300 شيكل”.

 

ويشدد المغير على أن المساعدات الدولية قاصرةٌ تمامًا، “فحتى عندما يقدّم الصليب الأحمر بعض المعدات، فهي غير كافية ولا تلبي الحد الأدنى من متطلبات السلامة”.

 

ويتهم المغير مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع “برفض تزويد الدفاع المدني بالوقود”، مضيفًا أن هذا سيزيد من الخسائر البشرية، إذ إن نقص الوقود يهدد بشل حركة فرق الإنقاذ بالكامل، ويجعل العاملين في هذا المجال يواجهون الموت ليس فقط من القنابل والأمراض، بل أيضًا من العجز، “ونحن نحمّلهم المسؤولية الكاملة عن حياة الناس”.

المصدر: الترا فلسطين

زر الذهاب إلى الأعلى
تلفزيون المدينة

مجانى
عرض