الأخبار

أسواق رمضان في غزة بلا مشترين بسبب انعدام الدخل

By Beesan Kharoof

February 18, 2026

تبدو أسواق قطاع غزة بعيدة عن المشهد الطبيعي مع حلول موسم الصيام، فبدلا من الازدحام أمام محال المواد الغذائية واللحوم والخضروات، يسود هدوء ثقيل في الأسواق، في ظل انعدام الدخل وتراجع حاد في حركة البيع والشراء وارتفاع أسعار العديد من السلع الأساسية.

 

ورغم أن بعض البضائع لا تزال متوفرة في الأسواق، إلا أن الفجوة بين الأسعار المرتفعة والقدرة الشرائية المنهارة جعلت غالبية المواطنين يكتفون بالمشاهدة دون الشراء.

فالأزمة الحالية لا ترتبط فقط بشح بعض السلع أو تأخر دخولها، بل تتجسد أساسا في غياب الدخل لدى عشرات آلاف الأسر، ما جعل الأسواق تفقد زخمها الموسمي المعتاد.

 

وتشير المؤشرات الاقتصادية إلى أن نسبة البطالة في قطاع غزة تجاوزت 80%، فيما تخطت معدلات الفقر 90%، مع اعتماد نحو 95% من الأسر على المساعدات الغذائية أو النقدية. هذه الأرقام تنعكس مباشرة على الأسواق، حيث يتراجع الطلب الفعلي رغم الحاجة الملحة للسلع، الأمر الذي يخلق حالة كساد واضحة مع دخول الشهر الفضيل.

 

أسواق بلا مشترين

داخل خيمتها في منطقة الزوايدة وسط القطاع، تقول الفلسطينية حنان معروف إنها لم تذهب إلى السوق مع دخول شهر رمضان إلا مرة واحدة، ليس بهدف الشراء، بل للاطلاع على الأسعار. وأوضحت معروف لـ”العربي الجديد” أنها فوجئت ببقاء أسعار العديد من المواد الأساسية مرتفعة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، في وقت لم يعد لديها أي مصدر دخل ثابت بعد فقدان زوجها.

وأضافت: “كنت في الأعوام السابقة أشتري احتياجات رمضان تدريجيا، من طحين وأجبان وزيت وأرز وخضروات وبعض الحلويات البسيطة للأطفال، لكن هذا العام أفكر فقط في كيفية توفير وجبة إفطار متواضعة إن توفرت مساعدة”. وأشارت إلى أن الأسعار، مهما بدت عادية للبعض تصبح مرتفعة للغاية حين يكون الدخل معدوما.

 

ولفتت إلى أن أكثر ما يؤلمها هو دخول السوق والخروج خالية اليدين، بينما ينظر أطفالها إلى ما يُعرض من سلع لا تستطيع شراءها. “لم يعد السوق مكانا للتجهيز لرمضان، بل بات مكانا يذكرنا بما لا نستطيع توفيره”.

أما الفلسطيني آدم بكر، الذي كان يعمل في قطاع الإنشاءات قبل الحرب، فذكر أن الأسواق تعكس بوضوح حجم الأزمة الاقتصادية، مشيراً إلى أنه كان يعتمد على أجره اليومي لتلبية احتياجات أسرته، وكان رمضان يمثل موسما يزداد فيه إنفاقه نسبيا، أما اليوم فقد أصبح دخوله السوق يقتصر على شراء أقل الكميات الممكنة من الأساسيات.

وقال بكر: “ارتفاع أسعار اللحوم والخضروات وبعض المواد التموينية، بالتوازي مع انعدام الدخل، أجبرنا على تقليص مشترياتنا إلى الحد الأدنى، بتنا نستغني عن أصناف اعتدنا عليها في رمضان، مكتفين بما يسد الرمق فقط”.

 

 

من ناحيته، أكد بائع البقوليات والمعلبات في سوق الشيخ رضوان بمدينة غزة، محمد جبر، أن هذا التوقيت من العام كان يشهد عادة حركة نشطة منذ ساعات الصباح وحتى المساء، مع إقبال واسع من المواطنين على شراء العدس والفول والحمص والأرز وغيرها من السلع الأساسية التي يزداد الطلب عليها في شهر رمضان.

وقال جبر: “السوق في الأيام التي تسبق الشهر الفضيل كان بالكاد يتسع للمشترين، أما اليوم فالمشهد مختلف تماما، فالسوق مدمر والحركة ضعيفة والناس تمر لتسأل عن الأسعار أكثر مما تشتري”.

 

وأوضح أن كثيرا من الزبائن باتوا يشترون نصف الكميات التي اعتادوا شراءها، وبعضهم يكتفي بكيلو واحد من صنف كان يشتري منه عدة كيلوات قبل الحرب. ولفت إلى أن الأرباح تراجعت بشكل كبير رغم استمرار فتح المحال يوميا، “رمضان بعد الحرب مختلف تماما، السوق لم يعد يعج بالمشترين كما كان، والبهجة التي كانت ترافق الموسم غابت”.

 

في ظل هذا المشهد الاقتصادي القاتم، حذرت وزيرة التنمية الاجتماعية الفلسطينية، سماح حمد، من تفاقم الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة مع دخول شهر رمضان، مؤكدة أن استمرار إغلاق المعابر ومنع إدخال المواد الأساسية والمكملات الغذائية يهدد حياة آلاف الأسر.

وقالت حمد في بيان صحافي، إن عدد الأسر المسجلة في السجل الاجتماعي للوزارة ارتفع من 86 ألف أسرة قبل العدوان إلى نحو 320 ألف أسرة حاليا، وهو ما يمثل قرابة 85% من إجمالي أسر القطاع، في مؤشر واضح على اتساع دائرة الفقر والحاجة واعتماد السكان المتزايد على المساعدات.

 

ركود يضرب الأسواق

من جهته، أكد المختص في الشأن الاقتصادي، محمد الدريملي، أن ما تشهده الأسواق في غزة هو نتيجة مباشرة لانهيار المنظومة الاقتصادية بالكامل، موضحا أن فقدان أكثر من 80% من فرص العمل يعني عمليا غياب الدورة النقدية داخل المجتمع، ما يؤدي إلى ركود حاد في النشاط التجاري.

 

أسواق غزة خاوية رغم دخول المساعدات

 

وقال الدريملي: إن الأسواق تعاني من حالة يمكن وصفها بالركود التضخمي، حيث ترتفع الأسعار نتيجة صعوبة إدخال السلع وارتفاع تكاليف النقل والإمداد، في الوقت ذاته الذي تتراجع فيه القدرة الشرائية للمواطنين إلى مستويات غير مسبوقة. وأشار إلى أن هذا الخلل المزدوج يخلق بيئة تجارية مشلولة، لا يستفيد فيها التاجر ولا يستطيع المستهلك تلبية احتياجاته.

ولفت إلى أن شهر رمضان كان يمثل تقليديا موسما اقتصاديا يعوّل عليه التجار لتعويض جزء من خسائرهم خلال العام، إلا أن الواقع الحالي أفرغ الموسم من مضمونه، “فالطلب موجود من حيث الحاجة، لكنه غائب من حيث القدرة المالية، ما يجعل الأسواق تعيش حالة هدوء غير معتادة في أكثر فترات السنة نشاطا”.

وبيّن الدريملي أن استمرار القيود على إدخال البضائع والمواد الخام يرفع تكاليف السلع ويحدّ من المنافسة، ما ينعكس في صورة أسعار مرتفعة لا تتناسب مع مستويات الدخل الحالية، مشددا على أن تحريك الأسواق يتطلب ضخ سيولة مالية عبر برامج تشغيل عاجلة، إضافة إلى تسهيل إدخال السلع لضبط الأسعار ومنع تفاقم الأزمة.

وتجدر الإشارة إلى أن معظم الغزيين يعتمدون اليوم على المساعدات الغذائية والنقدية التي تقدمها منظمات دولية وجهات إغاثية، في وقت يعاني فيه القطاع من قيود مستمرة على إدخال السلع الأساسية، بما فيها المواد الغذائية والمكملات الطبية. ويؤدي هذا الواقع إلى ضغوط إضافية على الأسواق، سواء من حيث ارتفاع التكلفة أو محدودية الخيارات المتاحة أمام المستهلكين.

ومع دخول شهر رمضان، يتضاعف الاحتياج الغذائي بطبيعته، لكن الأسواق لا تشهد الارتفاع المعتاد في المبيعات، بل تواجه ضعفا ملحوظا في الإقبال، نتيجة الفجوة الواسعة بين الأسعار والدخل. فحتى الأسر التي كانت تُعد من الطبقة المتوسطة قبل الحرب، باتت اليوم تعيد حساباتها الشرائية بدقة، وتقلص إنفاقها إلى الحد الأدنى.

المصدر: العربي الجديد