في قطاع غزة، أصبح خبر دخول شاحنات البيض حدثًا مهمًا يترقبه السكان كما تُترقب الأخبار العاجلة حول تطورات الحرب ومفاوضات التهدئة، بعدما تحوّل هذا الغذاء الأساسي إلى سلعة نادرة غابت عن موائد آلاف العائلات منذ عدة أشهر.
النازحون ينتظرون أكثر من ساعتين للحصول على طبق البيض بالسعر الرسمي المحدد بنحو 40 شيقلا، فيما البديل الوحيد، في حال نفاد الكمية، هو شراؤه من السوق السوداء بأسعار قد تصل إلى 80 شيقلًا للطبق الواحد.
فالبيض، الذي كان يومًا الطعام الأرخص والأكثر حضورًا على موائد الغزيين، أصبح اليوم حلمًا مؤجلًا لأطفال حُرموا منه بفعل القيود المفروضة على إدخال السلع إلى القطاع، في ظل التدمير الواسع للبنية الزراعية والإنتاجية خلال حرب الإبادة.
ومنذ بداية شهر رمضان، يشهد إدخال البيض إلى غزة تذبذبًا حادًا؛ إذ يسمح الاحتلال بدخول كميات محدودة وعلى فترات متباعدة وبتنسيقات خاصة، ما أدى إلى ارتفاع أسعاره بصورة كبيرة تفوق قدرة معظم الغزيين.
طوابير الانتظار
أمام أحد المتاجر في شارع عمر المختار وسط مدينة غزة، وقف محمود أبو شعبان (39 عامًا) في طابور طويل لساعات، على أمل أن ينجح أخيرًا في شراء طبق بيض لأطفاله الذين لم يتناولوه منذ أكثر من ستة أشهر.
ويقول أبو شعبان، لـ”الترا فلسطين”، إن أصعب ما يواجهه الأب اليوم هو عجزه عن تفسير هذا الحرمان لأطفاله، خاصة بعدما أصبحوا يسمعون أخبار دخول البيض إلى الأسواق دون أن يتمكنوا من الحصول عليه.
وأضاف أنه انتظر أكثر من ساعتين للحصول على طبق بالسعر الرسمي المحدد بنحو 40 شيقلًا، موضحًا أن البديل الوحيد، في حال نفاد الكمية، هو شراؤه من السوق السوداء بأسعار قد تصل إلى 80 شيقلًا للطبق الواحد. وتابع: “في معظم المرات أعود إلى البيت خالي اليدين، بعدما ينتهي البيع قبل وصول دوري”.
ويرى أبو شعبان أن آلية توزيع البيض الحالية تفتقر إلى العدالة، بسبب تخصيص نقاط بيع محدودة في كل منطقة، الأمر الذي يتسبب بحالة ازدحام وفوضى، ويمنح بعض التجار فرصة إخفاء جزء من الكميات وبيعها لاحقًا بأسعار مضاعفة، أو توزيعها على معارفهم.
وتؤكد بيانات المكتب الإعلامي الحكومي استمرار التراجع الحاد في تدفق المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة؛ إذ لم يدخل خلال شهر أبريل/نيسان الماضي سوى 4503 شاحنات مساعدات، من أصل 18 ألف شاحنة كان من المفترض دخولها وفق التفاهمات الإنسانية، بنسبة لا تتجاوز 25% من الاحتياج الفعلي للسكان.
سوء تغذية وأزمة معيشية
وفي صف آخر مخصص للسيدات، وقفت سعدية شملخ (40 عامًا) وهي تأمل بالحصول على طبق بيض لأطفالها الثلاثة، بعدما فشلت في محاولتين سابقتين في شرائه بسبب نفاد الكمية.
وتقول شملخ، إن أطفالها لم يتناولوا البيض منذ أكثر من 4 أشهر. وأضافت، بنبرة ساخرة: “هل تُصنع الصواريخ من البيض حتى يمنع الاحتلال إدخاله؟”.
وأشارت شملخ إلى أنها بدأت تلاحظ تكسّرًا في أطراف أسنان طفلها محمد (3 أعوام)، بسبب نقص الكالسيوم والبروتين، ما دفعها للوقوف في طابور طويل لشراء البيض رغم ارتفاع ثمنه بصورة تفوق قدرتها المالية.
وقبل الحرب، لم تكن غزة تواجه أزمة في توفر بيض المائدة، إذ وصلت القدرة الإنتاجية لمزارع الدجاج البيّاض المنتشرة في مختلف محافظات القطاع إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي، بل كانت قادرة على مضاعفة إنتاجها وتصدير البيض إلى خارج القطاع، إلا أن القيود الإسرائيلية كانت تحول دون ذلك.
ووفقًا لبيانات سابقة صادرة عن وزارة الزراعة، بلغ استهلاك القطاع السنوي قبل الحرب نحو 200 مليون بيضة، تنتجها قرابة 750 ألف دجاجة موزعة على 300 مزرعة دواجن محلية.
هندسة التجويع
من جانبه، أكد مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي، إسماعيل الثوابتة، أن استمرار الاحتلال في منع أو تعطيل دخول المواد الغذائية الأساسية إلى قطاع غزة، ومن بينها بيض المائدة، لا يمكن تفسيره باعتباره مجرد خلل لوجستي أو فني، بل يأتي ضمن سياسة ممنهجة تستهدف تقويض الأمن الغذائي وتعريض صحة المواطنين للخطر.
وأوضح الثوابتة، أن هذا الإجراء يندرج في إطار سياسة “هندسة التجويع”، التي يسعى الاحتلال من خلالها إلى تعميق الأزمة الإنسانية.
وبيّن أن منظمات دولية وثّقت، في تقاريرها، حالات متكررة من الرفض والمماطلة في اعتماد شحنات ومورّدين، ما أدى إلى نقص حاد في مصادر البروتين الأساسية وارتفاع معدلات سوء التغذية، خصوصًا بين الأطفال والفئات الأكثر هشاشة.
وأشار إلى أن ما يُعرف بـ”التنسيقات” الخاصة بدخول الشاحنات، التي يشرف عليها جيش الاحتلال والمنسق الإسرائيلي، تمثل شكلًا من أشكال الابتزاز المالي، موضحًا أنه طُلب، في أكثر من مناسبة، دفع مبالغ تصل إلى 2.5 مليون شيكل مقابل السماح بإدخال شاحنة واحدة من بيض المائدة.
وفي ظل هذا الواقع، لم يعد البيض مجرد سلعة غذائية عادية أو طبق جانبي على موائد الغزيين، بل تحوّل إلى مؤشر جديد على عمق الأزمة الإنسانية التي يعيشها السكان.
المصدر: الترا فلسطين