أدى انتشار برامج الذكاء الاصطناعي التي تتولى مهاماً تتراوح بين كتابة البرامج وتقديم الاستشارات الضريبية، إلى حالة من التنافس الشديد بين عالم التكنولوجيا والأسواق المالية لاختيار البرامج الرابحة والتخلص من الخاسرة.
لم يعد كافياً، كما في السابق، بأن يقوم “تشات جي بي تي” من “أوبن إيه آي” بصياغة ردود على النصوص. فمطورو النماذج الرائدة في الذكاء الاصطناعي تبنّوا ما يُعرف الذكاء الاصطناعي الفاعل (agentic AI)، أي توفير مساعدين برمجيين قادرين على إنجاز مهام على نحوٍ مستقل، مثل إنشاء تطبيقات برمجية، بناءً على أوصاف بسيطة.
ويرى كبير الاستراتيجيين في شركة “فيوتشرم” (Futurum)، شاي بولور، أن اللحظة الراهنة تمثّل “نقطة انعطاف” ستجعل ملايين برامج الذكاء الاصطناعي يتولّون قريباً، وبشكلٍ روتيني، مهاماً ظلّ البشر يقومون بها لفترة طويلة. ونقل بولور لوكالة فرانس برس قوله: “لم نعرف من قبل اضطراباً تكنولوجياً بهذا الحجم. إنه أمر بالغ الخطورة. السوق يراهن على عدم اليقين المستقبلي وفق سيناريو قائم على التشاؤم”.
وتزامن هذا التحوّل مع إصدارات متلاحقة لنماذج الذكاء الاصطناعي تتحسّن بوتيرة سريعة، بينها نسخ جديدة صدرت أخيراً عن “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك”. ويضاف إلى ذلك الظهور الأول، في نوفمبر/تشرين الثاني، لبرنامج ذكاء اصطناعي مستقل يحمل اسم “أوبن كلو” (OpenClaw)، شبّهه بعضهم بالمساعد الخيالي “جارفس” (Jarvis) من أفلام البطل الخارق “آيرون مان” (Iron Man). وقد استحوذت “أوبن إيه آي” على مبتكر “أوبن كلو”، في خطوة اعتُبرت إشارة إلى أن الشركة الناشئة في سان فرانسيسكو تملك طموحاتٍ أكبر.
وسرعان ما رأى المستثمرون في برامج الذكاء الاصطناعي تهديداً لشركات نشر البرمجيات، وخاصة تلك التي تخدم الشركات. فشركة “موندي دوت كوم” (Monday.com) المتخصصة في التعاون داخل أماكن العمل، إلى جانب “سيلزفورس” (Salesforce) و”تومسون رويترز” (Thomson Reuters) عبر أذرعها الخاصة ببرمجيات الضرائب والمحاسبة والتجارة، شهدت هبوطاً في قيم أسهمها في “وول ستريت” بأكثر من 30 بالمئة خلال أيام معدودة.
ويروي أستاذ الإدارة في جامعة جورجتاون، جيسون شلوتزر، أنه تحدّث مؤخراً إلى رئيس تنفيذي علّق قائلاً إنه لم يعد بحاجة إلى مستشارين، لأن هناك “واحداً في جيبي” بفضل الذكاء الاصطناعي. في المقابل، قال دان آيفز المحلل في “ويدبوش” (Wedbush): “هناك حالة من الهلع حول الذكاء الاصطناعي في كل صناعة”، مضيفاً: “أعتقد أن الأمر مبالغٌ فيه كثيراً”. ورأى أن فكرة استبدال نماذج الذكاء الاصطناعي لبرمجيات الشركات وأمنها السيبراني “مجرد خيال”.
ومع بدء برامج الذكاء الاصطناعي بهزّ أنماط العمل، تواصل الشركات المطوّرة لنماذج اللغة الكبيرة التي تقف خلف هذه البرامج ضخّ مئات المليارات من الدولارات في سباق الهيمنة. وتواجه “أنثروبيك”، مطوّرة “كلود”، منافسةً لصيقة من “أوبن إيه آي”، و”جيميناي” من “غوغل”، وحتى “غروك” من شركة “إكس إيه آي”، في سوق الذكاء الاصطناعي الاحترافية.
ورغم أن الإنفاق الضخم على بنية الذكاء الاصطناعي التحتية يثير قلق بعض المستثمرين، يجادل بولور بأن “المخاطرة ليست في الإفراط بالاستثمار، بل في نقص الاستثمار” في هذه التكنولوجيا التحويلية. أما شلوتزر فيرى أن الأثر الاقتصادي للذكاء الاصطناعي قد لا يتضح إلا بعد سنوات، تماماً كما احتاج الإنترنت وقتاً قبل أن يصبح جزءاً حيوياً من الحياة اليومية، ويضيف: “فجأة بدأت تظهر شركات جديدة لم تكن ذات جدوى اقتصادية دون الإنترنت، مثل نتفليكس”، وتابع: “أنا أنتظر رؤية هذه الشركات أو الصناعات الجديدة التي سيخلقها الذكاء الاصطناعي”.
ولا يقتصر القلق على قطاع التكنولوجيا وحده. فقد توقّع رائد الأعمال الأميركي مات شومر في تدوينة حديثة بعنوان “ثمة شيء كبير يحدث” أن يتجه الذكاء الاصطناعي لاقتحام وظائف في القانون والتمويل والمحاسبة والاستشارات والطب وغيرها. ورأى أن التجربة التي عاشها عمال التكنولوجيا، حين انتقل الذكاء الاصطناعي من “أداة مفيدة” إلى شيء “يقوم بعملي أفضل مما أقوم به”، ستتمدّد إلى قطاع الخدمات.
لكن بعض المراقبين انتقدوا تدوينة شومر. ففي مقال رأي على موقع “مايند ماترز”، وصف المستشار التكنولوجي جيفري فنك الأمر بأنه “تهويل” تغذّيه المخاوف. وفي السياق نفسه، قال آيفز إن الأسواق “آلية عقلانية”، في تعليقه على انخفاض أسهم الشركات بسبب مخاوف الذكاء الاصطناعي، مضيفاً: “سنصل قريباً إلى مفترق طرق، حيث ستستقر الأمور”.
المصدر: العربي الجدبد