
يشعر المحاضر الجامعيّ عبد الفتّاح عبد ربّه، بـ”الأسى” من رؤية مواقد النار البدائيّة تلتهم كتبًا ومجلّدات ومخطوطات نادرة وقيمة، اضطرّ إليها نازحون في الجامعة الإسلاميّة بمدينة غزّة، كبديل عن غاز الطهي المفقود في قطاع غزّة.
وقبل بضعة أيّام كان عبد ربّه، وهو أستاذ العلوم البيئيّة في الجامعة الإسلاميّة، في زيارة للجامعة، ويقول إنّه شعر بغصّة كبيرة في القلب، وهو يشاهد الكتب والمخطوطات، وكذلك رسائل دكتوراه، بين أيدي الأطفال والنساء، يجمعوها ممّا تبقّى في مكتبة الجامعة ومكاتب الأساتذة، ليشعلوا فيها النيران، من أجل إعداد الطعام.
ورغم مشاعر الحزن الّتي انتابت عبد ربّه، وهو يشاهد النيران تلتهم ما يصفها بـ “كنوز علميّة ومعرفيّة”، إلّا أنّه لا يلوم النازحين، الّذين “عصفت بهم الأزمات وضاقت عليهم الدنيا بما رحّبت، وبات أقصى ما يتمنّون هو النجاة بأنفسهم، والبحث في خيارتهم المعدومة من أجل البقاء على قيد الحياة”.
ويقول الدكتور عبد ربّه: “أنا لا ألوم هؤلاء النازحين”، ويعتقد أنّ آلاف النازحين الّذين أجبرتهم الحرب على النزوح مرارًا وتكرارًا من منازلهم ومناطقهم في شمال القطاع، ولم يجدوا مكانًا يأوون إليه سوى أروقة الجامعة الإسلاميّة المدمّرة أساسًا، ولو كان لديهم خيارات أخرى ما لجأوا لحرق هذه الكتب والمجلّدات والمخطوطات ورسائل الماجستير والدكتوراه، الّتي يستفيد منها أبناؤهم والأجيال.
وتعرّضت الجامعة الإسلاميّة، منذ اندلاع الحرب إلى قصف مجموعة من مبانيها وكلّيّاتها، قبل أن تقتحمها قوّات الاحتلال وتدمّرها، إبّان اجتياحها البرّيّ لمدينة غزّة في الأسابيع الأولى عقب اندلاع الحرب على القطاع في 7 تشرين الأوّل/أكتوبر من العام 2023.
وكانت الجامعة الإسلاميّة أوّل مكان يذهب إليه الدكتور عبد ربّه، إثر التوصّل إلى اتّفاق وقف إطلاق النار بين الفصائل الفلسطينيّة في غزّة والاحتلال الإسرائيليّ في 19 كانون الثاني/يناير الماضي، ويقول إنّه صعد على قدميه للوصول إلى مكتبه في الطابق الخامس من مبنى المختبرات العلميّة المدمّر، وتمكّن من انتشال نحو 10% فقط من مقتنياته، إلّا أنّه لم يتمكّن من نقل كتبه ودراساته العلميّة.
ولا يعلم هذا المحاضر الجامعيّ مصير هذه الكتب والدراسات، وإذا ما وجدت طريقها إلى نيران النازحين، أم تعرّضت للتدمير، ويقول: “بالنسبة لي كأستاذ جامعيّ ومختصّ بالعلوم البيئيّة، فإنّ ما يحدث أمر خطير ولا يصدّق”.
ويضيف: “لم يعد هناك شيء له قيمة بالنسبة للناس في غزّة، وهم يفقدون حياتهم في كلّ لحظة، وفي ظلّ أزمة الوقود وغاز الطهي، والتشريد المتكرّر من منازلهم، فإنّهم يحرقون كلّ ما تصل إليه أيديهم من أجل البقاء على قيد الحياة، وليس فقط الكتب، وإنّما أيضًا الأثاث”.
“ولو رأيت كتبي ودراساتي توضع وجبات للنيران لما استطعت أن أفعل شيئًا”، يتابع عبد ربّه بكثير من الألم والحسرة على ما آلت إليه الجامعة، أسوة بغالبيّة الجامعات والمعاهد في القطاع الّتي تعرّضت للقصف والنسف والتدمير.
وعن مكتبة الجامعة الإسلاميّة، يقول عبد ربّه إنّها “كانت نبراسًا للطلبة والباحثين، ولا مثيل لها في فلسطين، لمّا كانت تحتويه من كتب ومجلّدات قيّمة، ومخطوطات نادرة، ليس من السهل تعويضها”.
بدائل بدائيّة قاسية
ومنذ إغلاق الاحتلال المعابر مع قطاع غزّة في الثاني من شهر آذار/مارس الجاري، تعصف بنحو مليونين و400 ألف نسمة في القطاع الساحليّ الصغير، أزمات حادّة ومركّبة، أبرزها أزمة نفّاد غاز الطهي.
وللتغلّب على هذه الأزمة يلجأ الغزيّون إلى وسائل بديلة وبدائيّة، كالأخشاب والحطب، والّذي بات الحصول عليها مهمّة صعبة، حيث نفد من الأسواق، وارتفعت أسعار المتوفّر منه بشكل كبير لا يقوى عليها غالبيّة الغزيّين ممّن أفقدتهم الحرب مصادر رزقهم ومدّخراتهم.
وبات ملفتًا في الآونة الأخيرة رؤية من يجوبون الشوارع، رجالًا ونساء وأطفالًا، ويجمعون الأوراق وقصاصات الكرتون وأيّ شيء قابل للاشتعال، بعدما نفد غاز الطهي لدى غالبيّة الغزيّين في المنازل والخيام ومراكز الإيواء.
وفي ظلّ هذا الواقع المرير تطلّ أزمة الغذاء برأسها مرّة أخرى في القطاع، ويواجه الغزيّون نذر مجاعة، ووفق بيانات وكالة الأمم المتّحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيّين “ستكون هناك مجاعة حقيقيّة، ونتقدّم بسرعة نحو نقطة الصفر، حيث إنّ الأوضاع الحاليّة هي الأسوأ من المراحل كلّها الّتي مرّت بالقطاع بعد السابع من أكتوبر 2023”.
ونتيجة أزمة الوقود وغاز الطهي توقّفت الكثير من المخابز على مستوى القطاع، وبات الحصول على الخبز وإشعال النار لإعداد وجبتي الإفطار مهمّة يوميّة معقّدة بالنسبة للغزيّين.
وتقول أمّ علي المصري، بينما كانت منهمكة في إشعال النار لإعداد الطعام لأسرتها، أمام منزلها المدمّر في مدينة خانيونس جنوب القطاع، إنّها تستخدم بعضًا من أثاث منزلها، بعدما نفد غاز الطهي لديها، وتوقّفت عمليّات التعبئة منذ إغلاق المعابر قبل ثلاثة أسابيع.
واستغنت المصريّ عن إشعال النار لبضعة شهور انتظم خلالها دخول غاز الطهي عبر المعابر، واستحدثت السلطات المحلّيّة في غزّة نظامًا لتعبئته للمنازل عبر التسجيل الإلكترونيّ، ومن خلال مندوبين في المناطق، بمعدّل 8 كيلو في الشهر بسعر 60 شيكلًا، وتقول: “عدنا إلى التعب والشقى والنفخ لإشعال النار مرّة ثانية”.
وألقت الأزمة بظلالها على أصحاب المشاريع الصغيرة، ويقول بائع الفلافل جوّدت شقفة، لـ “الترا فلسطين”، إنّه عاد لاستخدام الأخشاب والحطب منذ إغلاق المعابر ومنع الاحتلال إدخال غاز الطهي.
ويعاني شقفة من أجل توفير الأخشاب والحطب جرّاء نفاده من الأسواق والارتفاع الهائل على أسعار المتوفّر منه، ويقول إنّه يضطرّ إلى شرائه بأضعاف ثمنه الطبيعيّ، حيث لا بديل أمامه من أجل الحفاظ على مصدر الرزق الوحيد لأسرته المكوّنة من 6 أفراد.
تداعيات أزمة غاز الطهي
وفي بيان تفصيليّ تناول المكتب الإعلاميّ الحكوميّ، تداعيات الحصار الحادّ وإغلاق المعابر على حياة السكّان والقطاعات الحيويّة، وتسبّب في انعدام الأمن الغذائيّ، وفقدان 85% من المواطنين لمصادر الغذاء الأساسيّة؛ بسبب توقّف التكيّات الخيريّة والمساعدات الغذائيّة، علاوة على خلوّ الأسواق من السلع التموينيّة، ما يهدّد بمجاعة وشيكة، وهذا سيكون له تداعيات خطيرة جدًّا.
كما أدّى الحصار إلى توقّف إنتاج الخبز، وإغلاق عشرات المخابز في جميع محافظات غزّة؛ بسبب نفاد الوقود ومنع الاحتلال دخوله إلى القطاع، وتفاقم أزمة الغذاء بشكل خطير خلال الأيّام المقبلة؛ بسبب منع إدخالها من قبل الاحتلال.
ويشير المكتب الإعلاميّ الحكوميّ، إلى أنّ أزمة غاز الطهي تسبّبت في توقّف المخابز والمطابخ، ما يزيد من معاناة أهالي القطاع غزّة، وشلل شبه تامّ في القطاعات الحيويّة المرتبطة بالطاقة والكهرباء.
المصدر: الترا فلسطين