أُسدل الستار، يوم الأحد الماضي، على انتخابات الهيئات المحلية الفلسطينية لدورة 2026، في الضفة الغربية ومدينة دير البلح؛ والتي أجريت في أجواء طغت عليها العشائرية والعائلية، وغاب عنها التنافس الحزبي الفعلي.
وأنتجت الانتخابات 183 هيئة محلية منتخبة، بعد أن تنافست 321 قائمة، ضمت 3773 مرشحًا، على 90 مجلسًا بلديًا، إلى جانب 93 مجلسًا قرويًا تنافس على مقاعدها 1358 مرشحًا.
وبموازاة ذلك، لم تُجرَ العملية الانتخابية في 197 هيئة محلية، بسبب ترشح قائمة واحدة فقط في كل منها، ما أدى إلى فوزها بالتزكية دون الحاجة إلى الاقتراع. فيما أحجمت أي قائمة عن الترشح في نحو 40 مجلسًا آخر، منها بلدية قلقيلية.
ورغم السلاسة التي مرت بها العملية الانتخابية وغياب ما يعكر صفوها، إلا أن جدلًا حول نتائجها ودلالاتها وانعكاساتها المستقبلية، أثير في أروقة التحليل، بعد ظهور النتائج.
“وكالة سند للأنباء”، وبعد تغطيتها لمجريات العملية الانتخابية في الضفة ودير البلح، استضافت عددًا من الكُتّاب والمحللين، والخبراء في الشأن الانتخابي، وحاورتهم حول نتائج الانتخابات.
وأكد “ضيوف سند” أن طبيعة نتائج الانتخابات؛ لا سيما نسبة المشاركة، قامت على عدة عوامل، أبرزها الوضع السياسي العام والأزمة الاقتصادية، إلى جانب الحرب على غزة. بينما أبدى آخرون “رضاهم” عن العملية الانتخابية بالمجمل.
سطوة العائلة..
ويرى الكاتب سميح محسن، أن نتائج الانتخابات “أبرزت سطوة التأثير العائلي” على حساب الأحزاب، التي تراجع دورها وتأثيرها.
ويُفيد محسن، في حديثه لـ “وكالة سند للأنباء”، بأن نسبة القوائم الحزبية في هذه الانتخابات كانت 12% فقط، في حين بلغت قوائم المستقلين 88%. مُحملًا الفصائل جزءًا من المسؤولية عن هذا الغياب.
ويُشدد على ضرورة قراءة سير العملية الانتخابية قبل يوم الاقتراع، قبل الحكم على نتائجها. مُبينًا أنها “شهدت عزوفًا عن الترشح”، ما أدى إلى توجه 182 هيئة محلية فقط للانتخابات من بين 420 هيئة، فيما حُسمت انتخابات 197 هيئة بالتزكية.
ويعزو هذا العزوف إلى عدة أسباب، من أبرزها عدم توجه الجهات المختصة لإجراء انتخابات عامة، “ما دفع كثيرين لاعتبار الانتخابات المحلية، على أهميتها، ملهاة للشعب الفلسطيني”، وفق تعبيره.
ويتابع: “كما أن الاشتراطات السياسية التي فرضها قانون رقم 23 لسنة 2025 على الراغبين بالترشح لانتخابات المجالس المحلية دفعت كثيرًا من الشخصيات للإحجام عن الترشح”.
ولا يغفل “محسن” دور الظروف الاقتصادية. مُنبهًا إلى أنّ رسوم الترشح، لا سيما في المجالس القروية، تشكل عبئًا كبيرًا على شريحة واسعة من المواطنين.
يضاف إلى ذلك، الأزمة المالية التي تواجهها غالبية المجالس المحلية، والتي جعلت الراغبين بالترشح يعيدون النظر لعدم قدرتهم على تنفيذ برامجهم الانتخابية، وفقًا لـ “ضيف سند”.
النظام الانتخابي..
ويشير الكاتب، إلى أن القانون الانتخابي الجديد “أدخل الناخبين في متاهة”، وأوجد إشكاليات عديدة ستظهر نتائجها عند بدء تشكيل المجالس المحلية واختيار رؤسائها.
ويكمل: “القانون يسمح للناخب في المجالس البلدية بانتخاب خمسة مرشحين من قائمة واحدة فقط، ما فتح الباب لصراعات داخل القائمة الواحدة”.
وحول ارتفاع نسب الاقتراع في القرى، يعزو ضيفنا ذلك، للعامل العائلي والعشائري، في حين يخف هذا التأثير في المدن، حيث يبرز استمرار الوضع السياسي العام كأحد أهم أسباب ضعف الدافعية للمشاركة في الاقتراع.
وينصح “محسن”، الأحزاب السياسية بـ “التوقف مليًا” أمام هذه الحالة ودراستها ووضع حلول لها. مطالبًا بمنح مساحة أكبر للحريات العامة.
ويرى ضرورة العودة إلى نظام التمثيل النسبي الكامل في الانتخابات، الذي يمنح الأحزاب الصغيرة والمجتمع المدني والكفاءات فرصة لخوض الانتخابات.
نتائج مرضية..
من جانبه، يعبّر مدير عام مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، عصام العاروري، عن رضاه عن سير العملية الانتخابية، ويقول: “بالمجمل نحن راضون عما جرى في هذه الدورة الانتخابية”.
ويوضح العاروري، في حديث خاص لـ “وكالة سند للأنباء”: “كانت هناك تخوفات من انخفاض نسبة الاقتراع بسبب الشرط السياسي وإعلان بعض الأحزاب عدم المشاركة، إلا أن النسبة جاءت معقولة وإيجابية، ومشابهة للدورات الانتخابية السابقة، باستثناء الدورة الأولى عام 2004”.
وفيما يتعلق بانخفاض نسبة التصويت في دير البلح، يبيّن “العاروري” أن ذلك يعود لعدة أسباب، أبرزها عدم تحديث السجل الانتخابي، إلى جانب استشهاد أو نزوح أو مغادرة عدد كبير من الناخبين.
ويستطرد: “كما أن تأمين الاحتياجات المعيشية يشكل أولوية لدى كثيرين تتقدم على التوجه لصناديق الاقتراع، فضلًا عن صعوبة المواصلات في دير البلح”.
ويلفت “ضيف سند” النظر إلى أن نسبة المجالس التي حُسمت بالتزكية لا تختلف كثيرًا عن الدورات السابقة.
وينبّه إلى وجود 40 هيئة لم يتقدم أحد للترشح فيها، مفضلًا الدعوة إلى جولة ثانية من الانتخابات لإتاحة الفرصة لهذه التجمعات لاختيار مجالسها عبر الاقتراع، تجنبًا للتعيين وما قد يثيره من إشكاليات.
تراجع الأحزاب..
وفي حديثه حول أبرز الظواهر في هذه الانتخابات، يرى أنها تمثلت في تراجع القوائم الحزبية والسياسية لصالح القوائم العائلية والمستقلة، ما يستدعي دراسة أسبابه، خاصة أن المقاطعة الحزبية لم تكن شاملة.
ويعتبر الحقوقي “العاروري”، أن تنامي دور العشائر والعائلات مرتبط بتراجع دور الأحزاب السياسية في الساحة الفلسطينية، “وهو ما يظهر في مجالات أخرى أيضًا”.
ويعزو ذلك “جزئيًا” إلى حملات القمع الإسرائيلية التي لم تعد تقتصر على العمل السياسي، بل طالت العمل المدني والجماهيري، لافتًا إلى اعتقال رؤساء بلديات، كما حدث في البيرة والخليل.
ويُطالب القوى السياسية بمراجعة مواقفها واستخلاص الدروس، وإعادة فتح النقاش حول التعديلات القانونية المرتبطة بالانتخابات.
وأعرب عن أمله في أن يشكل سير الانتخابات بسلاسة دافعًا لإجراء انتخابات عامة، رئاسية وتشريعية، لتجديد الشرعيات وملء الفراغ التشريعي في ظل التحديات الراهنة.
جمود سياسي وتحولات اجتماعية..
بدوره، يرى الكاتب والمحلل السياسي علاء الريماوي أن نتائج الانتخابات كشفت عن مشهد يتجاوز حدود التنافس البلدي، ليعكس حالة الجمود السياسي والتحولات الاجتماعية داخل المجتمع الفلسطيني.
ويشير الريماوي، في منشور له على صفحته بـ “فيسبوك”، إلى غياب المنافسة السياسية المنظمة، “ما جعل الانتخابات أقرب إلى منافسات محلية وعائلية، بعيدًا عن البرامج السياسية”، وفق وصفه.
ويُنوه إلى أن النتائج تعكس تراجع الحركة السياسية الاجتماعية التقليدية في الضفة الغربية، مقابل صعود تكتلات جديدة لا تزال في طور التشكل، وتتحرك وفق اعتبارات النفوذ والخدمات والعلاقات الاجتماعية.
وحول نسب الاقتراع المعلنة، يؤكد “الريماوي” أنها بحاجة إلى قراءة دقيقة، خاصة أن نحو 55% من المجالس لم تُجرَ فيها انتخابات، ما يثير تساؤلات حول دلالات نسب المشاركة.
ويعتقد أن من أبرز ملامح هذه الانتخابات تنامي حضور العشائر على حساب القوى السياسية، مقابل تراجع مشاركة النخب، نتيجة عوامل متعددة، أبرزها الأزمة الاقتصادية وتراجع الثقة بالعمل السياسي التقليدي.
وينوّه الريماوي، إلى غياب التيار الاجتماعي المنظم كقوة مؤثرة، في وقت تتجه فيه بعض الفئات إلى التعامل مع الهيئات المحلية بوصفها مؤسسات خدمية ومالية، أكثر من كونها أدوات تمثيل سياسي.
وأمس الأحد، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج النهائية للانتخابات المحلية 2026، والتي جرت في 183 هيئة محلية بالضفة الغربية، إلى جانب مدينة دير البلح وسط قطاع غزة.
وأفادت “لجنة الانتخابات” بأن عدد الناخبين المقترعين بلغ نحو 522 ألف ناخب، فيما فازت 197 هيئة محلية بالتزكية. بينما سجلت محافظة سلفيت أعلى نسبة اقتراع 71%، في حين سجلت دير البلح أقل نسبة بواقع 23%.
وبلغت نسبة الاقتراع في الضفة الغربية 56%، ونسبة الأوراق الباطلة 4%، مقابل 1% أوراق بيضاء، و95% أوراق صحيحة. وبلغت نسبة تمثيل النساء بين الفائزين 33%.
المصدر: سند

