بعد ستة أشهر من الإفراج عنه من السجون الإسرائيلية، يروي الصحافي الفلسطيني مجاهد بني مفلح فقدان نحو 20 كيلوغرامًا من وزنه والإهمال الطبي الذي تعرض له ثم إصابته بنزيف دماغي أدخله في غيبوبة أدى إلى إزالة جزء من جمجمته.
بعد مرور 6 أشهر على الإفراج عنه من سجون الاحتلال الإسرائيلي، لا يزال الصحافي الفلسطيني مجاهد بني مفلح يصارع رحلة علاج طويلة، بعدما فقد قرابة 20 كيلوغرامًا من وزنه خلال اعتقاله، قبل أن يُصاب بنزيف دماغي حاد بعد يومين فقط من خروجه.
يرقد بني مفلح حاليًا في مستشفى ابن سينا التخصصي بمدينة جنين شمالي الضفة الغربية المحتلة، عقب دخوله في غيبوبة وخضوعه لعمليات جراحية أُزيل خلالها جزء من جمجمته، فيما يحتاج حاليًا إلى مساعدة في الحركة والتنقل والبلع والنطق.
وقال إن الاعتقال والتجويع وحرمانه من الرعاية الصحية، ولا سيما مع إصابته بمرض السكري، سلبته حياته السابقة التي كان يقضيها بين العمل الصحافي ورعاية أطفاله الثلاثة والاهتمام بأرضه الزراعية.
من الجوع إلى الغيبوبة
يستذكر بني مفلح من سرير العلاج الأشهر التي قضاها في السجون الإسرائيلية، وكيف خرج منهكًا قبل أن يُنقل إلى المستشفى بعد إصابته بنزيف دماغي حاد.

وقال “دخلت السجن ووزني 72 كيلوغرامًا، وعندما خرجت كان وزني في بداية الخمسينات، فقدت جزءًا كبيرًا بسبب الجوع، كنا ننام جائعين، والطعام الذي يقدم لا يكفي”.
وأضاف أن معاناته اشتدت مع إصابته بمرض السكري، موضحًا “منذ بداية الاعتقال لم أحصل على الدواء المناسب، ولم أُجرِ أي فحص طبي، ولم أكن أعرف مستوى السكر في دمي، وكان الطعام قليلًا جدًا”.
وداء السكري مرض مزمن يحدث عندما لا ينتج البنكرياس كمية كافية من الإنسولين أو عندما يعجز الجسم عن استخدامه بفاعلية، ما يؤدي إلى ارتفاع مستوى الغلوكوز في الدم. وقد يسبب عدم ضبطه مع مرور الوقت أضرارًا خطيرة في الأعصاب والأوعية الدموية وأعضاء أخرى من الجسم.
واعتقلت إسرائيل بني مفلح من بلدة بيتا جنوبي مدينة نابلس في حزيران/ يونيو 2025، وأفرجت عنه في كانون الثاني/ يناير 2026، وفق نادي الأسير الفلسطيني.
إفراج في العراء
وصف بني مفلح لحظة الإفراج عنه بأنها جاءت على نحو مفاجئ، إذ أبلغه السجانون، عقب تمديد اعتقاله، بأنه سينقل إلى مكان آخر، لذلك لم يتمكن من توديع زملائه.

وقال “فوجئت بأنهم أفرجوا عني، ولم أكن أعلم أصلًا أنني سأخرج”. وتابع “أخرجوني منتصف الليل، وبعد أربع ساعات وجدت نفسي في العراء وسط برد النقب الصحراوي القارس، وأصابتني قشعريرة شديدة”.
وبحسب شهادته، بدأ جسده ينهار سريعًا بعد الإفراج عنه، فتوجه إلى المستشفى لإجراء فحوص طبية أظهرت ارتفاعًا في مستوى السكر وضغط الدم.
وأردف “كنت أجري مقابلة مع أحد الزملاء الصحافيين وأتحدث فيها عما عشته في السجن، ويبدو أن استعادة تلك التفاصيل كانت أثقل من أن يحتملها جسدي، ففقدت الوعي”.
ونُقل بني مفلح إلى مستشفى في نابلس، حيث تبينت إصابته بنزيف دماغي حاد، قبل أن يدخل في غيبوبة ويخضع لعمليات جراحية متتالية.
الأب الذي تغيّر
بعد استعادته الوعي، وجد أن حياته لم تعد كما كانت، إذ قال إنه بات عاجزًا عن أداء أبسط مهامه اليومية.

وقال بأسى “كنت إنسانًا مليئًا بالحياة، أعمل لساعات طويلة، أما اليوم فأنا عاجز تقريبًا عن أداء أبسط المهام”.
وأضاف “أحتاج إلى مساعدة الآخرين في التنقل والحركة، وفقدت القدرة على النطق والبلع، وما زلت أخوض رحلة علاج طويلة”.
ولا يقتصر ألمه على تراجع قدراته الجسدية، بل يمتد إلى علاقته بأطفاله الثلاثة الذين لم يعد قادرًا على رعايتهم ومتابعة تفاصيل حياتهم كما كان قبل الاعتقال.
وأكمل “كنت أقضي معظم وقتي في البيت إلى جانبهم، أتابعهم وأعلمهم وأوفر لهم كل ما يحتاجون، أما اليوم فلم أعد قادرًا على ذلك”.
وتابع “أشتاق إلى ضحكاتهم، وأتمنى أن أعود الأب الذي كنت عليه، وأعتقد أنني كنت أبًا جيدًا”.
وإلى جانبه في المستشفى، تجلس زوجته وأطفاله الذين باتوا يساعدونه في حياته اليومية، بعدما كان هو من يرعاهم ويوفر لهم الدعم والأمان.
صورة لا تخفي شيئًا
بشأن الصورة التي نشرها على “فيسبوك”، قال بني مفلح إنها كانت محاولة لإظهار حقيقة ما وصل إليه بعد الاعتقال والمرض.

ويبدو في الصورة وقد أزيل جزء من جمجمته جراء عمليات جراحية خضع لها عقب النزيف الدماغي، فيما بدت ملامحه غائرة وآثار فقدان الوزن واضحة.
وقال “المنشور والصورة كانا قاسيين على الجميع، لكنني أردت أن أُري الناس الحقيقة”.
وتابع “كثير من الأصدقاء اعترضوا على نشر الصورة بحجة أنها غير جميلة، لكن ليس لدي ما أخشاه، ها أنا اليوم، وهذا حالي”.
واستعاد بني مفلح حياته السابقة بحنين قائلا “أشتاق لمجاهد القديم”، مبينًا أن كثيرين لا يعرفون شغفه بالزراعة إلى جانب عمله الصحافي، وأن لديه قطعة أرض استصلحها وزرع فيها عشرات الأشجار.
وأكمل بحسرة ممزوجة بالأمل “زوجتي وأولادي حولي دائمًا، ويتمنون أن أعود كما كنت”.
آلاف الحالات
وقال نادي الأسير الفلسطيني، الأسبوع الماضي، إن الحالة الصحية التي وصل إليها بني مفلح بعد الإفراج عنه تعكس ما وصفه بـ”السجن الإبادي”، معتبرًا أن السجون الإسرائيلية تحولت إلى أداة للقتل البطيء والمباشر بحق الأسرى الفلسطينيين.

وأوضح النادي، أن بني مفلح تعرض بعد يومين من الإفراج عنه، لنزيف دماغي حاد استدعى نقله إلى المستشفى بحالة حرجة، حيث خضع لسلسلة عمليات جراحية أُزيل خلالها جزء من جمجمته.
وأضاف، أن بني مفلح يمثل واحدة من آلاف الحالات التي تعرضت للتجويع والإهمال الطبي والتعذيب والانتهاكات الممنهجة داخل السجون الإسرائيلية.
وأشار نادي الأسير إلى أن عدد حالات اعتقال الصحافيين الفلسطينيين تجاوز 245 حالة منذ بدء الحرب على قطاع غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
