صادق “الكابينت” على سلسلةٍ من القرارات وُصِفت بأنها “الأخطر” منذ توقيع اتفاق أوسلو عام 1994، ويُراد منها “دفن” الاتفاق والتمهيد لفرض الضم الفعلي للضفة الغربية، ما أثار انتقاداتٍ فصائليةٍ ورسميةٍ فلسطينيةٍ وعربية للقرارات التي تُحدث تغييرات جوهرية على الأرض.
ويرى خبراء قانونيون ومختصون في شؤون الاستيطان أن هذه الإجراءات لا تستهدف فقط تسهيل التوسع الاستيطاني، بل تسعى إلى تفكيك منظومة الحماية القانونية التي راكمها الفلسطينيون على مدار عقود، وتحويل الأرض إلى سلعة مفتوحةٍ في سوقٍ يخضع لمنطق القوة السياسية والاقتصادية للاحتلال.
نهاية أوسلو عمليًا
وأقرّ “الكابينت” رفع السرية عن سجلات الأراضي في الضفة الغربية ونشرها علنًا، وبموجب هذا القرار، تصبح بيانات الملكية متاحة بشكل واسع، بعد أن كانت تخضع لإجراءات إدارية معقّدة، ما يسهل على المستوطنين والجهات الإسرائيلية الخاصة تعقّب قطع الأراضي الفلسطينية، خاصة في المناطق المصنفة “ج”، واستهدافها بالشراء أو الضغط أو الإغراء المالي.
ومن بين قرارات “الكابينت” أيضًا، السماح لليهود بشراء الأراضي في الضفة الغربية بشكل مباشر، وإلغاء القيود المستندة إلى القانون الأردني الذي كان معمولًا به قبل عام 1967، وكان يمنع بيع الأراضي للأجانب إلا بشروط صارمة.
ويشمل ذلك إلغاء شرط “تصريح الصفقة” الذي كان يُلزم المعاملات العقارية بإجراءات إدارية وقانونية مسبقة، ما يجعل عمليات البيع أكثر سهولة وسرعة، ويزيل واحدة من أهم آليات الرقابة والحماية التي كانت تحدّ من تسريب الأراضي.
ويصف الخبير في شؤون الاستيطان خليل التفكجي هذه القرارات بأنها “دقٌّ للمسمار الأخير في نعش اتفاقية أوسلو، ونهاية فعلية لفكرة السيادة الفلسطينية على الأرض”. ويوضح التفكجي، في حديث لـ”الترا فلسطين”، أن القوانين الأردنية التي كانت سارية في الضفة الغربية قبل عام 1967 كانت تمنع بيع الأراضي للأجانب إلا بموافقة رسمية من رئاسة الوزراء الأردنية آنذاك، وقد التفّ الاحتلال على هذه القوانين سابقًا عبر استخدام الشركات كوسيط للبيع، أما اليوم فيتم تجاوزها كليًا وبشكل مباشر.
فرض السيادة الإسرائيلية على المناطق “ب” في الضفة: ملف صحراء القدس
وأضاف التفكجي أن ما جرى يعني سحب الصلاحيات من السلطة الفلسطينية والإدارة المدنية الإسرائيلية لصالح سجلات عقارية إسرائيلية موجودة داخل المستوطنات، مثل “أريئيل” و”معاليه أدوميم” و”غوش عتصيون”، بحيث يصبح شراء الأرض أو العقار إجراءً داخليًا في المنظومة الإسرائيلية، دون الحاجة إلى أي موافقات فلسطينية أو مدنية.
ويحذّر التفكجي من أن هذه القرارات تتيح أيضًا التدخل المباشر في مناطق “أ” و”ب”، وهدم المباني فيها بحجج أمنية أو بيئية أو أثرية، كما هو الحال في بلدة سبسطية وجبل هيرودوس في تقوع، ما يعني عمليًا مصادرة المواقع التاريخية وتحويلها إلى مناطق نفوذ وسيطرة إسرائيلية.
ويرى أن هذه السياسات “تؤكد أنه لم تعد هناك سيادة فلسطينية حقيقية وفق اتفاقية أوسلو”، بل إن ما جرى في “الكابينت” يمثل “شرعنة وقوننة للاحتلال”، وسحبًا تدريجيًا للصلاحيات الممنوحة للسلطة الفلسطينية. ويخلص التفكجي إلى أن النتيجة النهائية لهذه الإجراءات ستكون تحويل السلطة الفلسطينية إلى جسم إداري محدود الصلاحيات، أشبه ببلديات محلية تدير شؤون الخدمات، مثل النظافة والتعليم، بينما تبقى الأرض والموارد والسيادة الفعلية تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة”.
إعادة تعريف المستوطن قانونيًا
وفي تحليله لتداعيات القرارات الإسرائيلية يركز مدير الدائرة القانونية في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عايد مرار، على البعد القانوني الخطير للقرارات، خصوصًا ما يتعلق بالسماح للمستوطنين بالشراء كأفراد طبيعيين، مشيرًا إلى أن القانون الدولي يُلزم دولة الاحتلال بالإبقاء على القوانين السارية قبل الاحتلال، وهو ما ينطبق على القانون الأردني الذي كان يحكم الأراضي الفلسطينية.
ويوضح مرار، في حديث لـ”الترا فلسطين”، أن القانون المعمول به قبل الاحتلال كان يميز بين ثلاث فئات رئيسة: الأولى، فئة المواطن المحلي، الذي يحق له البيع والشراء بحرية ونقل الملكية كما يشاء. والثانية، فئة الأجنبي، الذي لا يحق له الشراء إلا من خلال شركة، وبموافقة مجلس الوزراء، وبشرط تقديم مشروع، وأن تكون مساحة الأرض بحجم المشروع، وألا يكون الهدف المتاجرة.
أما الفئة الثالثة فهم مواطنو الدول المعادية، الذين كان يُحظر نقل الأراضي إليهم، ويُعدّ ذلك جناية يعاقب عليها القانون. وبحسب مرار، فإن الذي فعلته إسرائيل بعد احتلال الضفة الغربية، هو تغيير تصنيف المستوطنين من “مواطني دولة معادية” إلى “أجانب”، خصوصًا بعد اتفاقية “وادي عربة” التي أنهت التصنيف الأردني لإسرائيل كـ”دولة معادية”، ما انعكس على تطبيق القوانين المتعلقة ببيع الأراضي.
وبيّن مرار أن القرار الجديد الصادر هذا الأسبوع يلغي القانون المعمول به، وبالتالي معاملة المستوطنين كـ”مواطنين محليين”، مؤكدًا أن هذا “يحمل دلالة سياسية واضحة بأن الضفة الغربية أصبحت جزءًا من دولة إسرائيل”. ويحذر من أن فتح السوق العقاري أمام الإسرائيليين دون قيود سيؤدي إلى انتشار ملكيات صغيرة ومتفرقة في مختلف أنحاء الضفة، ما يعقّد أي إمكانية مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.
يحذر عايد مرار من أن فتح السوق العقاري أمام الإسرائيليين دون قيود سيؤدي إلى انتشار ملكيات صغيرة ومتفرقة في مختلف أنحاء الضفة، ما يعقّد أي إمكانية مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا
وأشار إلى أن عددًا كبيرًا من مالكي الأراضي في الضفة الغربية يحملون الجنسية الأردنية وأصولًا فلسطينية، ويملكون مساحات واسعة من الأراضي، “وفي ظل غياب نص قانوني واضح يجرّم البيع، تصبح إمكانية تسريب هذه الأراضي أكبر، رغم أن السلطات التنفيذية في الأردن تحاول منع ذلك إداريًا”.
ويحذّر مرار من أن هذا الفراغ القانوني، إلى جانب القرارات الإسرائيلية الأخيرة، يخلق بيئة مثالية لتوسيع السيطرة على الأراضي الفلسطينية عبر قنوات قانونية ظاهرية، يصعب لاحقًا الطعن فيها أو تفكيكها.
أما بخصوص رفع السرية عن السجلات، فإن مرار يعتقد أن الخطر “ليس كبيرًا كما يُروّج له”، مشيرًا إلى أن الإسرائيليين كانوا يستطيعون في الأصل الوصول إلى هذه المعلومات، بينما كان الفلسطينيون المتضررين الأساسيين من سريتها. ويؤكد أن الخطر الأكبر يتركز في المناطق المصنفة “ج”، حيث تسيطر الإدارة المدنية الإسرائيلية على تسجيل الأراضي، أما مناطق “أ” و”ب” فتظل نظريًا تحت صلاحيات فلسطينية، رغم التدخلات الإسرائيلية المتزايدة.
وأشار إلى أن القرارات ما تزال تنفيذية ولم تتحول إلى قوانين، ما يترك مجالًا للطعن أمام المحكمة العليا الإسرائيلية أو عبر الضغط السياسي، غير أنه استدرك بأن “المحكمة جزءٌ من منظومة الاحتلال وليست أداة إنصاف حقيقية”.
إعادة هندسة السيطرة على الضفة
في ورقة تحليلية صادرة عن دائرة القانون في جامعة بيرزيت تحت عنوان “إعادة هندسة السيطرة على الضفة الغربية”، تناولت الجامعة بالتفصيل القرارات الصادرة عن “الكابينت”، وعدّتها “تحولًا هيكليًا في طريقة إدارة الاحتلال للأرض الفلسطينية”.
وأشارت الورقة إلى أن توقيت الإعلان عن هذه القرارات يتزامن مع استعدادات إسرائيلية لزيارة بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، ومحاولات واضحة لتثبيت وقائع ميدانية وقانونية قبل أي ضغوط أو مبادرات دولية محتملة. وأكدت الورقة أن من غير الممكن النظر إلى هذه الإجراءات بوصفها خطوات إدارية منفصلة، فهي “تمثل منظومة متكاملة تُعدّ، في جوهرها، شكلًا من أشكال الضم الفعلي للأراضي المحتلة”.
وقسّمت ورقة دائرة القانون في جامعة بيرزيت قرارات “الكابينت” إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: رفع السرية عن سجلات الأراضي
تؤكد الورقة أنه بإتاحة هذه السجلات علنًا، يصبح من السهل على الإسرائيليين، وخصوصًا المستوطنين، تحديد هوية ملاك الأراضي والتواصل معهم مباشرة لإتمام عمليات الشراء. وتحذّر من أن هذا التغيير يؤثر مباشرة في البنية القانونية لملكية الأرض، عبر إلغاء آليات حماية كانت تحول دون الاستحواذ السريع عليها، كما أنه يسهم في تغيير التوزيع الديموغرافي وحقائق الوجود الفلسطيني على الأرض. وأفادت الورقة بأن هذه الخطوة تمثل محاولة لإضفاء “شرعية قانونية” على التوسع الاستيطاني، بما يمس جوهر الحقوق الفلسطينية في الأرض.
القسم الثاني: إلغاء القيود على بيع الأراضي للأجانب وإلغاء شرط “تصريح الصفقة”
ووفقًا للورقة، فإنه بموجب هذه التعديلات، تصبح عمليات الشراء أكثر مباشرة وسهولة، سواءً للأفراد أو الجهات المنظمة، ما يمنح المستوطنين فرصًا أوسع للحصول على أراضٍ كانت صعبة المنال سابقًا. وترى الورقة أن إزالة هذه الحواجز القانونية والإدارية تُعدُ “تسهيلًا قانونيًا” للاستيطان، يهدف إلى تقويض إجراءات حماية الأراضي الفلسطينية التي استمرت لعقود.
القسم الثالث: نقل سلطات التخطيط والبناء وتوسيع الولاية الإسرائيلية
تشير ورقة دائرة القانون في جامعة بيرزيت إلى أن القرارات لا تقتصر على قضايا الملكية والبيع، بل تمتد إلى نقل صلاحيات التخطيط والبناء إلى جهات إسرائيلية، بما يشمل مناطق يفترض أنها تخضع إداريًا للسلطة الفلسطينية. وترى أن هذا النقل يعزز السيطرة الإسرائيلية على المجال العمراني، ويمنح الاحتلال قدرة أكبر على توجيه التطور المكاني والديموغرافي في الضفة الغربية بما يخدم المشروع الاستيطاني. وتشدّد الورقة على أن قرارات “الكابينت” تُشكّل مخالفة صريحة لقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي العام، خصوصًا كما فسّرتها محكمة العدل الدولية في آرائها الاستشارية.
وتستند الورقة إلى رأي محكمة العدل الدولية لعام 2004 بشأن جدار الفصل، الذي أكد أن “الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، هي أرضٌ محتلة، وأن إسرائيل، بصفتها قوة احتلال، لا تملك أي سيادة قانونية عليها، ولا يحق لها إحداث تغييرات دائمة في بنيتها القانونية أو الإدارية أو الديموغرافية”.
تخلص ورقة جامعة بيرزيت إلى أن قرارات “الكابينت” تقوّض بشكل مباشر حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وتُضعف فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة، عبر فرض وقائع قانونية وميدانية يصعب تفكيكها مستقبلًا
وأشارت الورقة إلى الرأي الاستشاري الأحدث للمحكمة ذاتها، الذي خلص إلى أن استمرار الوجود والهيمنة الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة غير شرعي بذاته، وأن سياسات الضم الزاحف، وتوسيع المستوطنات، وتغيير النظام القانوني والإداري للأرض، تمثل انتهاكًا جسيمًا لمبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة. فضلاً عن أن نقل سكان دولة الاحتلال إلى الإقليم المحتل، وتسهيل استيطانهم عبر أدوات قانونية وإدارية، يُعدّ خرقًا واضحًا للقانون الدولي.
وفي ضوء ما سبق، ترى دائرة القانون في جامعة بيرزيت عبر ورقتها، أن القرارات الإسرائيلية الأخيرة لا تمثل خروقات منفصلة أو إجراءات مؤقتة، بل تندرج ضمن نمط ممنهج يرقى إلى ضم فعلي محظور قانونيًا. وتؤكد أن هذا الواقع يرتّب التزامات واضحة على المجتمع الدولي، تتمثل في عدم الاعتراف بالوضع غير المشروع الذي تفرضه إسرائيل، وعدم تقديم أي دعم من شأنه استدامته، والعمل على مساءلة الاحتلال عن انتهاكاته المستمرة.
وتخلص الورقة إلى أن قرارات “الكابينت” جزءٌ من سياساتٍ تقوّض بشكل مباشر حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وتُضعف فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة، عبر فرض وقائع قانونية وميدانية يصعب تفكيكها مستقبلًا.
المصدر: الترا فلسطين