الأخبار

ماذا تعرف عن دعم الحكومة لقطاع المحروقات في فلسطين؟

أسباب تراجع دعم المحروقات في فلسطين والخيارات المتاحة أمام الخزينة

لم يكن الدعم الحكومي للمحروقات في فلسطين، في صورته الأساسية، يعني أن الحكومة تدفع من الخزينة مبلغاً نقدياً مقابل كل لتر يباع للمستهلك بسعر مخفض، بل كان يقوم بدرجة كبيرة على التنازل عن جزء من الضرائب المفروضة على الوقود.

 

لكن احتجاز إيرادات المقاصة غيّر هذه المعادلة، وجعل خفض أسعار المحروقات أكثر كلفة على الخزينة الفلسطينية، في وقت تراجعت فيه قدرة الحكومة على الاستمرار بمستويات الدعم السابقة.

 

وقال المحلل الاقتصادي مؤيد عفانة، في حديث خاص لـ”الاقتصادي”، إن سعر لتر الوقود، إذا بلغ على سبيل المثال 8 شواقل شاملاً الضرائب المختلفة، فإن الحكومة كانت تخفّض جزءاً من الضرائب ليباع اللتر للمستهلك بسعر أقل، موضحاً أن هذا النوع من الدعم يمكن وصفه بأنه “دعم غير مباشر”.

 

وأشار إلى أن قيمة الدعم الحكومي للمحروقات بلغت نحو 818.5 مليون شيكل خلال عام 2025، وكان يتركز بصورة أكبر في السولار، باعتباره أكثر ارتباطاً بقطاع النقل والمواصلات العامة والمنشآت الصناعية والتجارية.

 

وأوضح أن ارتفاع سعر السولار ينعكس بصورة أكبر على الفئات محدودة الدخل وعلى قطاعات النقل التجاري والصناعي، وهو ما يفسر تركيز جانب أكبر من الدعم عليه.

 

كيف كان الدعم يُقدَّم؟

 

بحسب عفانة، ترتبط آلية شراء المحروقات ببروتوكول باريس الاقتصادي والاتفاقيات المبرمة مع الشركات الإسرائيلية الموردة.

 

وأوضح أن السلطة الفلسطينية تشتري المحروقات من الجانب الإسرائيلي، ويتكون سعر اللتر من سعر المصفاة والتكاليف اللوجستية والضرائب، ومن بينها ضريبة “البلو”، إضافة إلى ضريبة القيمة المضافة.

 

وكانت السلطة تدفع قيمة المحروقات للشركات الموردة، على أن تسترد الضرائب المتعلقة بها من خلال المقاصة، وهو ما كان يسمح عملياً بتمويل جزء من الدعم عبر تخفيض الإيرادات الضريبية التي تعود للسلطة.

 

وقال عفانة إن إيرادات الضرائب على المحروقات كانت تشكل مكوناً مهماً من إيرادات المقاصة، ولذلك فإن تخفيض سعر الوقود للمستهلك لم يكن يعني بالضرورة خروج قيمة الدعم نفسها نقداً من الخزينة العامة.

 

احتجاز المقاصة غيّر المعادلة

 

لكن استمرار احتجاز إيرادات المقاصة، وفق عفانة، أدى إلى تغيير جوهري في آلية الدعم.

 

وأوضح أن السلطة أصبحت تدفع قيمة المحروقات للشركات الإسرائيلية، من دون أن تسترد الإيرادات الضريبية بالطريقة التي كانت تتم بها سابقاً.

أزمة المحروقات
أزمة المحروقات

وقال: “إذا اشترت السلطة الفلسطينية، على سبيل المثال، لتر السولار من إسرائيل بـ8.99 شيكل وأرادت دعمه بشيكل واحد، فإنها تضطر في هذه الحالة إلى دفع كامل قيمة اللتر للشركة الإسرائيلية، ثم بيعه محلياً بسعر أقل، ما يعني أن فارق الدعم يخرج بصورة مباشرة من الخزينة العامة”.

 

وأشار إلى أن هذا الوضع يجعل دعم المحروقات أكثر كلفة على المالية العامة، خصوصاً في ظل محدودية الموارد المالية.

 

وأضاف أن الأموال التي تنفق على دعم الوقود تصبح في هذه الحالة منافسة لأوجه إنفاق أخرى، مثل التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية والمستشفيات.

 

وبحسب عفانة، كانت هذه الظروف من العوامل التي أدت إلى تراجع الدعم الحكومي للمحروقات خلال عام 2026 مقارنة بالمستويات السابقة

وتشير بيانات منشورة إلى أن دعم الوقود تراجع بشكل كبير خلال الربع الأول من 2026 مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.

 

10 ملايين شيكل دعماً إضافياً في أكتوبر

 

وفيما يتعلق بالأسعار الحالية، قال عفانة إن الحكومة خصصت خلال تشرين الأول/أكتوبر الجاري دعماً إضافياً بقيمة 10 ملايين شيكل، بهدف الحد من أثر ارتفاع أسعار المحروقات الناتج عن ارتفاع الأسعار العالمية.

 

وكانت الهيئة العامة للبترول قد أعلنت في نهاية أيلول تخصيص 10 ملايين شيكل لدعم أسعار المحروقات خلال أكتوبر، فيما بلغ سعر لتر السولار في التسعيرة الأولى للشهر 8.99 شيكل.

 

وقال عفانة إن ذلك يعني أن السعر الحالي للسولار، رغم ارتفاعه، يتضمن دعماً حكومياً لتخفيف أثر الارتفاع على المواطنين والقطاعات الاقتصادية.

 

أما بالنسبة إلى البنزين، فأوضح أن انخفاض سعر البنزين في إسرائيل انعكس على السوق الفلسطينية، مشيراً إلى أن وزارة المالية أعلنت لاحقاً تخفيض سعر بنزين 95 بقيمة نصف شيكل اعتباراً من 5 تشرين الأول/أكتوبر.

 

لماذا يختلف السولار عن البنزين؟

 

في حالة البنزين، يفرض بروتوكول باريس الاقتصادي قيوداً على الفارق بين السعر الفلسطيني والإسرائيلي.

 

أما السولار، فقال عفانة إن بروتوكول باريس لا يفرض سعراً محدداً له بين الجانبين، ما يمنح السلطة الفلسطينية هامشاً أوسع في تحديد سعره محلياً.

 

لكن هذه المساحة، بحسب عفانة، لا تعني أن السلطة تستطيع خفض السعر من دون كلفة.

 

فآلية الشراء والدفع والاتفاقيات الموقعة مع الشركات الإسرائيلية الموردة تجعل السلطة ملزمة عملياً بدفع تكلفة المحروقات وفق آلية التوريد القائمة.

 

هل تستطيع السلطة خفض سعر السولار؟

 

قال عفانة إن خفض سعر السولار محلياً يتطلب من السلطة، في حال استمرار آلية الدفع الحالية، تحمل فارق السعر من الخزينة العامة.

 

وأضاف أن المسألة لذلك أكبر من مجرد قرار فني يتعلق بالتسعيرة، لأنها ترتبط مباشرة بقدرة المالية العامة على تحمل كلفة الدعم.

 

وأشار إلى أن ما تستطيع السلطة القيام به في المرحلة الحالية هو التخفيف من أثر ارتفاع الأسعار من خلال تقديم الدعم للسولار أو الغاز أو البنزين، “لكن هذا الدعم يأتي في النهاية على حساب الخزينة العامة”.

 

ويرى عفانة أن معالجة المسألة بصورة أوسع تتطلب إعادة النظر في بعض جوانب بروتوكول باريس الاقتصادي والاتفاقيات الموقعة مع الشركات الموردة.

 

واعتبر أن ذلك يحتاج إلى حراك سياسي واقتصادي، وليس مجرد إجراء فني من جانب السلطة الفلسطينية.

 

وبذلك، فإن بقاء أسعار المحروقات مرتفعة لا يرتبط فقط بحركة الأسعار العالمية أو بسعر الشراء من المورد الإسرائيلي، بل أيضاً بقدرة الحكومة الفلسطينية على الاستمرار في امتصاص جزء من هذه الكلفة في ظل أزمة مالية متفاقمة.

 

وتظهر تجربة 2026 أن هامش التدخل الحكومي ما زال قائماً، لكنه أصبح أكثر ارتباطاً بقدرة الخزينة على تمويله نقداً، بعدما كان جانب مهم منه يُدار سابقاً عبر تخفيض الإيرادات الضريبية المستحقة للسلطة.

المصدر: الاقتصادي

زر الذهاب إلى الأعلى
✕
تلفزيون المدينة

مجانى
عرض