لماذا فُصلت الانتخابات التشريعية عن الرئاسية؟
أثار المرسوم الرئاسي الذي أصدره الرئيس محمود عباس، ودعا فيه إلى إجراء انتخابات المجلس التشريعي في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، تساؤلات وتقديرات مختلفة في الأوساط السياسية والقانونية الفلسطينية عن سبب الاكتفاء بالانتخابات التشريعية وعدم تحديد موعد للانتخابات الرئاسية.
وينص المرسوم على دعوة الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة إلى انتخاب أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني، فيما أشار إلى أن موعد الانتخابات الرئاسية سيُحدد لاحقًا خلال الربع الأول من عام 2027.
ويرى محللون وخبراء أن من غير الممكن قراءة قرار الفصل بين الاستحقاقين التشريعي والرئاسي بمعزل عن الحسابات السياسية للقيادة الفلسطينية، وما قد تفرزه صناديق الاقتراع من نتائج غير متوقعة قد تؤثر في مستقبل النظام السياسي الفلسطيني.

“إملاءات خارجية”
يقول القيادي في حركة فتح، أحمد غنيم، إن سحب مرسوم إجراء انتخابات برلمانية وللمجلس الوطني، ثم تحديد موعد للانتخابات التشريعية فقط، وتغيير صيغة الانتخابات وتعديلات القانون، كل هذا يدل على حالة الارتباك السياسي الذي تعاني منه القيادة الفلسطينية.
وأضاف غنيم لـ”الترا فلسطين” إن “غالبية القرارات التي تتخذها القيادة لا تأتي من إرادة فلسطينية، وإنما تحت الضغط الخارجي والإملاءات الخارجية.
ولذلك فإنه يعتقد أن تعديلات أخرى ستضاف في الأيام المقبلة حتى على المرسوم الذي أُصدر مؤخرًا وحدد موعد الانتخابات.
ورأى أن محاولة الفصل بين الانتخابات التشريعية والانتخابات الرئاسية تندرج ضمن هذا الارتباك، “لأن ماكنة الضغط الخارجي ركزت على أهمية أن تكون الانتخابات مدخلاً لكل ما تم تسميته بالإصلاح المفترض للسلطة الوطنية الفلسطينية، ووضعوا اشتراطات في سياقات سياسية، وحتى هذه السياقات غالبها خارج السياق الوطني” حسب قوله.
وأعرب غنيم عن اعتقاده بأن القيادة الفلسطينية “تريد أن تستبعد الآن خيار إجراء الانتخابات الرئاسية حتى ترى نتائج الانتخابات التشريعية، ثم في ضوء نتائج الانتخابات التشريعية ستضع تصورها الجديد للاستمرار في عملية الانتخابات الرئاسية أو لا”.
وأكد غنيم أن القيادة الحالية “تريد الاستمرار في التمسك بتقاليد الحكم بكل أجزائها، في منظمة التحرير الفلسطينية، وفي السلطة الفلسطينية، وفي حركة فتح، وإعادة إنتاج شرعية شكلية للنظام السياسي الفلسطيني”.
وقال: “هذا الأمر يتطلب من كافة القوى والفعاليات الوطنية والسياسية لدى الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج أن تلتف لتشكيل أوسع ائتلاف وطني لمواجهة كل هذه السيناريوهات التي يتم الإعداد لها بهدف إعادة إنتاج شرعية سياسية بديمقراطية شكلية في النظام السياسي الفلسطيني”.
“ترشح محتمل لمروان البرغوثي”
من جانبه، يربط مدير مركز “مسارات” للأبحاث والدراسات الاستراتيجية، هاني المصري، بين تأجيل الانتخابات الرئاسية واحتمالات المنافسة على منصب الرئيس، مشيرًا إلى أن أحد العوامل المؤثرة يتمثل في الحديث المتزايد عن إمكانية ترشح القيادي الفتحاوي الأسير مروان البرغوثي للانتخابات الرئاسية.
ويقول المصري لـ”الترا فلسطين” إن ترشح شخصية بحجم البرغوثي، الذي يحظى بحضور شعبي واسع، من شأنه أن يخلق إشكاليات معقدة داخل حركة فتح نفسها، وكذلك في العلاقة مع إسرائيل والولايات المتحدة، إذ سيكون من الصعب التعامل مع رئيس منتخب يقبع داخل السجون الإسرائيلية ويُنظر إليه باعتباره رمزًا للمقاومة الفلسطينية.
“ضبط العملية السياسية”
أما مدير “مركز القدس للدراسات المستقبلية” في جامعة القدس، أحمد رفيق عوض، فيرى أن الفصل بين الانتخابات التشريعية والرئاسية يعكس رغبة لدى القيادة الفلسطينية في ضبط العملية السياسية وضمان بقائها ضمن الأطر التي تحددها منظمة التحرير الفلسطينية والتزاماتها السياسية.
ويشير عوض إلى أن تأجيل الانتخابات الرئاسية يمنح القيادة فرصة لمراقبة نتائج الانتخابات التشريعية أولًا، وقياس التوازنات التي ستفرزها، قبل الانتقال إلى استحقاق الرئاسة، الأكثر حساسية.
وبحسب تقديره، فإن بقاء الرئيس خارج المنافسة الانتخابية في هذه المرحلة يوفر عنصرًا إضافيًا من السيطرة على مجريات العملية السياسية ويمنع حدوث تحولات مفاجئة قد تخرج عن المسار الذي تريده القيادة.
“لمنع التناقض بين مخرجات الانتخابات”
من جهته، يعتقد مدير مركز “ثبات” للبحوث واستطلاعات الرأي، جهاد حرب، أن الرئيس عباس يريد الاطلاع على مخرجات الانتخابات التشريعية وكيفية التعامل معها قبل الانتقال إلى الانتخابات الرئاسية.
وأضاف حرب لـ”الترا فلسطين”، أن فكرة تجزئة الانتخابات ليست جديدة، إذ طُرحت خلال الحوارات الفلسطينية السابقة، بما فيها النقاشات التي سبقت انتخابات عام 2021 التي لم تُجرَ في نهاية المطاف.
ويؤكد حرب أن إجراء الانتخابات بشكل متزامن يحقق مزايا سياسية ومؤسساتية مهمة، إذ يتيح للناخب اختيار قائمته السياسية ومرشحه الرئاسي في الوقت ذاته، ما يساهم في إنتاج توازن داخل النظام السياسي ويحد من احتمالات التناقض بين مخرجات الانتخابات المختلفة.
ويستحضر حرب تجربة عامي 2005 و2006، عندما انتُخب محمود عباس رئيسًا للسلطة الفلسطينية، ثم فازت حركة حماس بأغلبية المجلس التشريعي بعد أقل من عام، وهو ما ساهم لاحقًا في تعميق الأزمة السياسية الفلسطينية وصولًا إلى الانقسام الداخلي. ويرى أن الانتخابات المتزامنة قد تقلل من فرص تكرار مثل هذه السيناريوهات.
ورغم أن الرئاسة الفلسطينية تؤكد أن المرسوم يندرج في إطار استكمال المسار الديمقراطي وتجديد الشرعيات السياسية، فإن الجدل حول أسباب عدم التزامن بين الانتخابات التشريعية والرئاسية مرشح للاستمرار خلال الأشهر المقبلة، خصوصًا مع اقتراب موعد الاستحقاق التشريعي وعودة النقاش حول مستقبل النظام السياسي الفلسطيني وآليات انتقال السلطة وتجديد مؤسسات الحكم بعد سنوات طويلة من الجمود والانقسام.
المصدر: الترا فلسطين
