أصبح زهران ممداني أول عمدة مسلم لمدينة نيويورك، المركز المالي للولايات المتحدة الأميركية، وذلك بعد انتخابات استثنائية بكل المقاييس استطاع فيها المرشح الشاب (عن الحزب الديمقراطي) أن يتغلب على السياسي (الديمقراطي أيضا) أندرو كومو، الحاكم السابق لولاية نيويورك لمدة 11 عاما، الذي خاض الانتخابات مستقلا مستفيدا من مساندة واسعة من لوبيات المال والأعمال في المدينة، وأيضا من الدعم السياسي المعلن من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، رغم الخلاف الواسع بين الرجلين اللذين سبق أن هاجما بعضهما بعضا بشراسة في أكثر من مناسبة أبرزها خلال جائحة “كوفيد-19”.
لم يكن ذلك هو ملمح الاستثنائية الوحيد في هذه الانتخابات، فتلك هي المرة الأولى التي تحظى فيها نيويورك بعمدة مسلم، وقد حدث ذلك في انتخابات صوَّت فيها أكثر من مليونَيْ شخص من بين 4.7 ملايين ناخب مسجل في المدينة، وهي نسبة لم تحدث منذ عام 1969.
ولم يتردد ممداني منذ كان طالبا في الاحتفاء بالرموز الفلسطينية، بما يشمل ارتداء الكوفية الفلسطينية، ووضع ملصق على حاسوبه المحمول كُتب عليه “أنهوا الفصل العنصري الإسرائيلي”، وبحسب برايان بورنيل، وهو الأستاذ الذي أشرف على مشروع ممداني الختامي في الجامعة الذي يربط نظرية العقد الاجتماعي للفيلسوف جان جاك روسو بأفكار الفيلسوف الشهير المناهض للعنصرية فرانز فانون، فإن ممداني كان يطرح باستمرار نقاشات وأسئلة متعلقة بضرورة ممارسة العنف في النضال ضد الاستعمار، تحديدا في سياق الكفاح الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي.
وفي مايو/أيار عام 2023، تقدم ممداني بصفته عضوا في جمعية ولاية نيويورك (تعمل بمنزلة المجلس التشريعي للولاية) بمشروع قانون بعنوان “ليس على حسابنا”، بهدف إنهاء تمويل ولاية نيويورك لعنف المستوطنين الإسرائيليين، وذلك عن طريق منع الشركات غير الربحية من الانخراط في دعم غير مصرح به للنشاط الاستيطاني الإسرائيلي، وفي عام 2025 أعلن ممداني أيضا أنه إذا انتُخب عمدة للمدينة فإنه سيلغي مجلس تعزيز العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة وإسرائيل الذي أنشأه سلفه أريك أدامز.
ومنذ أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، أعلن ممداني صراحة أن إسرائيل بدأت حرب إبادة جماعية ضد قطاع غزة، وأنه ينبغي لأصحاب الضمير أن “يطالبوا بوقف التمويل العسكري الأميركي لإسرائيل”، وربما كان واحدا من أكثر تصريحات ممداني جرأة هو ما قاله وكرَّره في أكثر من مناسبة حول نيته اعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في حال زيارته لنيويورك، لأن على المدينة أن تتوافق قيمها مع القانون الدولي.
كما صرح أنه لا يتقبل فكرة إسرائيل بوصفها دولة يهودية تتبنى نظاما هرميا يمنح الامتياز لأصحاب دين معين على حساب الآخرين، ولا يمكنه أن يقبل بها ويدعمها إلا إذا أصبحت دولة مواطنة تمنح الحقوق للجميع بالتساوي.
لكن الواقع أن دولة الاحتلال لم يصبها كل هذا الغضب والأسى من فوز ممداني بسبب آرائه الجريئة ضد إسرائيل أو تأييده للحقوق الفلسطينية فحسب، فمنصب ممداني في النهاية لا يؤهله للعب دور بارز في تغيير مسار السياسة الأميركية تجاه دولة الاحتلال في الوقت الراهن، لكنه يُشكِّل ناقوس خطر كبير حول المستقبل، وتلك هي الأزمة الكبرى بالنسبة الاحتلال.
بحسب منصة “بوليتيكس توداي” فإن ممداني حين فاز رغم كل الملايين التي أنفقها المليارديرات ذوو التوجهات الصهيونية لمنع فوزه فإنه انتصر على إسرائيل أيضا، مُثبتا أن هناك تغيرا كبيرا وغير مسبوق يجتاح “الأمة الأميركية” منذ بداية الحرب على غزة، حيث أصبحت آراء الأميركيين وخاصة الشباب منهم تجاه الاحتلال تتجه نحو الأسوأ، بل بات المسيحيون الأميركيون يغادرون الكنائس وينتقدون الكهنة الذين يوجّهونهم للدفاع عن إسرائيل، كما بات قطاع كبير من الشعب الأميركي يتساءل دون خوف حول الأسباب الحقيقية لدعم الولايات المتحدة لإسرائيل، وما الذي تجنيه الولايات المتحدة من تحالفها مع دولة ترتكب انتهاكات مريعة مثل إسرائيل.
يعكس انتخاب ممداني حالة التغير الجذري تلك أوضح ما يكون، تنوه صحيفة “نيويورك تايمز” للأمر نفسه قائلة إن سكان نيويورك في الواقع أصبح موقفهم يميل إلى موقف ممداني تجاه إسرائيل، رغم أن هذا الموقف كان بعيدا كل البعد عن التيار السائد في الولايات المتحدة قبل الحرب الأخيرة.
وبحسب استطلاع للرأي أجرته جامعة “كوينيبياك” في أوائل أكتوبر/تشرين الأول الماضي، فقد عبَّر 41% من الناخبين المحتملين في مدينة نيويورك عن أن آراء ممداني بشأن إسرائيل هي الأقرب إلى آرائهم، مقارنةً بـ26% اعتبروا آراء منافسه هي الأقرب إلى آرائهم. وقد عبَّرت “أسوشيتد برس” عن تلك الحالة بالقول إن “دعم إسرائيل كان يُعد أمرا حتميا وضروريا لمَن يريد أن يكون سياسيا في نيويورك إلى أن جاء زهران ممداني”.
إن قلق الاحتلال البالغ من فوز ممداني يتعلق بما يخبئه المستقبل، فقدرة ممداني على تحقيق الفوز في تلك المدينة المهمة داخل دولة تُعد هي أهم حليف للاحتلال منذ تأسيسها، رغم كل ما أظهره من دعم للقضية الفلسطينية وازدراء لإسرائيل، يوحي بأن تغيرا عميقا في الرأي العام الغربي قد حدث، وأنه مرشح للتصاعد في المستقبل، فما لم يكن يمكن تخيله قبل طوفان الأقصى والحرب الإبادية الإسرائيلية بات الآن واقعا، وفي السنوات القادمة ربما سيفكر السياسيون في الدول الغربية مرات عديدة قبل أن يُظهروا دعمهم الصريح لإسرائيل.
هذا التغير العميق هو ما يُقلق الاحتلال من فوز زهران ممداني، إضافة إلى التداعيات السياسية المرتبطة به، وعلى رأسها التخوف الكبير من أن يتحول الحزب الديمقراطي الأميركي إلى حزب معادٍ لإسرائيل في قادم السنوات.
المصدر: الجزيرة + مواقع إلكترونية

