
“لحام البراميل” طوق نجاة وسط ركام غزة
ينحني العامل الفلسطيني حمودة مصطفى فوق برميل مياه بلاستيكي، يتفحص الشقوق التي تمتلئ به بفعل قصف سابق، قبل أن يبدأ بإصلاحها بأدوات بسيطة لا تخلو هي الأخرى من آثار الاستهلاك، يتحرك مصطفى بهدوء وخبرة اكتسبها تحت وطأة الحرب ويرى في كل برميل فرصة جديدة لتأمين قوت يوم آخر لأطفاله، بينما يترقب صاحب البرميل انتهاء العمل ليستعيد وسيلة يحتاجها لتخزين المياه.
قبل الحرب، لم يكن مصطفى البالغ من العمر 38 عاما يعرف شيئا عن لحام البراميل، كان يعمل سائق سيارة أجرة، كان يقضي يومه متنقلا بين شوارع قطاع غزة بحثا عن الركاب.
دمّر القصف منزله في مخيم البريج وسط قطاع غزة، وأودى بحياة والدته وعدد من أشقائه، كما حوّل مركبته، مصدر رزقه الوحيد، إلى ركام.
نجا حمودة من القصف لكنه وجد نفسه في مواجهة حرب أخرى، تتمثل في البحث اليومي عن لقمة العيش. فمنذ نزوحه مع زوجته وأطفاله السبعة إلى خيمة داخل أحد مخيمات الإيواء في البريج، تنقّل بين الأعمال المؤقتة قبل أن يجد في إصلاح براميل المياه البلاستيكية مهنة فرضتها الحرب على كثيرين، ودخلاً متواضعاً يحاول من خلاله توفير الحد الأدنى من احتياجات أسرته، رغم أن العمل يأتي على فترات متقطعة.
خيارات قاسية
يقول مصطفى إن فقدان مصدر دخله وضعه أمام خيارات قاسية، فمع ارتفاع الأسعار وشح فرص العمل لم يجد سوى البحث عن أي مهنة تمكنه من توفير الحد الأدنى من احتياجات أسرته.
وكانت مهنة لحام براميل المياه إحدى الفرص القليلة التي وجدها أمامه.
ويوضح أن الناس باتوا يعتمدون على البراميل لتخزين المياه في ظل الأوضاع الراهنة، ما خلق طلباً على إصلاح البراميل التالفة في ظل منع إسرائيلي مطلق لإدخال براميل جديدة.
ورغم أن العمل متقطع ويعتمد كليا على طلبات الزبائن، فإنه يراه أفضل من البقاء بلا عمل على الإطلاق. ويقول: “قد يمر يوم أو أكثر دون أن يأتي أي شخص لإصلاح برميل وأحياناً أعمل على برميلين أو ثلاثة فقط باليوم، لكنني مضطر للاستمرار لأنني لا أملك خيارا آخر”.
إلا أن ممارسة هذه المهنة ليست سهلة فهناك عقبات كثيرة تعيق عمله، يأتي في مقدمتها عدم توفر غاز الطهي الذي يستخدمه في عمليات اللحام، إضافة إلى نقص المعدات والأدوات اللازمة للحام البراميل.
ويشير إلى أن نفاد الغاز يجبره على التوقف عن العمل لأيام طويلة ما يعني انقطاع الدخل بالكامل، في وقت لا تحتمل فيه أسرته أي توقف عن توفير الاحتياجات الأساسية.
ولا تقتصر الصعوبات على قلة العمل ونقص الأدوات وإنما تمتد إلى الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الناس، فبحسب حمودة مصطفى، فإن الأوضاع المعيشية القاسية تدفع الكثير من الناس إلى التفاوض على أجور منخفضة جداً مقابل إصلاح البراميل، رغم أن تكلفة العمل والمواد المستخدمة أصبحت مرتفعة.
ويضيف: “الجميع يعاني ولذلك أضطر إلى قبول أجور أقل مما أستحقها، لأنني أدرك أن الزبائن أنفسهم يواجهون أوضاعا مالية صعبة ولكنني في الوقت ذاته أجد نفسي عاجزاً عن توفير احتياجات أسرتي من هذا الدخل المحدود”.
وباتت مهنة لحام البراميل واحدة من المهن التي فرضتها الحرب على سكان القطاع، بعدما ازداد الاعتماد على تخزين المياه داخل البراميل، إلا أن مردودها المالي لا يكاد يكفي لتغطية أبسط متطلبات الحياة.
معاناة مضاعفة
وداخل خيمته، تتضاعف معاناة العامل مصطفى كل يوم، فهو يؤكد أن تأمين الطعام أصبح مهمة شاقة، بينما تمثل احتياجات أطفاله عبئا أكبر، خصوصا الحليب وحفاضات طفله الرضيع، في ظل الارتفاع الكبير في الأسعار وشح المساعدات الإنسانية. ويقول إن أكثر ما يؤلمه هو عجزه عن تلبية احتياجات أطفاله، إذ يقضي ساعات طويلة في البحث عن أي شخص بحاجة للحام برميله، ثم يعود في كثير من الأحيان بدخل لا يكفي سوى لشراء جزء بسيط مما تحتاجه الأسرة.
ولا تتوقف معاناته عند هذا الحد، فابنه ياسين، البالغ من العمر ثمانية أعوام، يعاني من مشاكل في التنفس وهزال عام، ويحتاج إلى متابعة صحية مستمرة وأدوية بشكل دائم، إضافة إلى أنواع معينة من الأغذية التي تساعد على تقوية مناعته وتحسين حالته الصحية.
ويؤكد مصطفى أن توفير علاج ياسين أصبح تحديا أسبوعيا، إذ يحتاج إلى مصروف خاص لشراء الأدوية والغذاء المناسب، بينما لا يملك في كثير من الأحيان ثمنها، فيضطر إلى تأجيل بعض الاحتياجات أو الاستدانة إن استطاع. ويقول إن رؤية طفله وهو يعاني دون القدرة على مساعدتهم من أصعب اللحظات التي يعيشها، خصوصا مع استمرار الظروف الإنسانية القاسية.
اقتصاد الحرب في غزة المنكوبة… مهن اندثرت وأخرى ولدت
أما داخل الخيمة، فلا تقتصر المعاناة على ضيق المكان أو نقص الاحتياجات وإنما تمتد إلى انتشار القوارض والحشرات التي تحاصر العائلات ليل نهار. ويصف مصطفى الليالي داخل الخيمة بأنها مليئة بالقلق، حيث يخشى على أطفاله من الحشرات والقوارض التي تنتشر بين الخيام، في وقت تفتقر المخيمات إلى أدنى مقومات الصحة والوقاية.
ويشير إلى أن أطفاله يستيقظون أحياناً مذعورين بسبب الفئران أو الحشرات، بينما يعجز عن توفير أي وسيلة فعالة للحماية لتصبح المخاوف جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية.
ورغم كل ما مر به من فقدان ونزوح وفقر، لا يزال العامل مصطفى يتمسك بالأمل. فهو لا يبحث عن أكثر من فرصة عمل ثابتة توفر له دخلا منتظما يستطيع من خلاله إعالة أسرته وتأمين احتياجات أطفاله ومساعدتهم على التكيف مع واقع فرضته الحرب بكل قسوتها.
ويؤكد أن أي عمل مستقر سيكون كفيلاً بإعادة شيء من الكرامة إلى حياته بعدما أجبرته الظروف على التنقل بين المهن المؤقتة التي لا توفر الحد الأدنى من الاستقرار. وفي الوقت الذي يواصل العامل مصطفى لحام براميل المياه، تبدو قصته أكثر من مجرد حكاية رجل غيّرت الحرب مهنته، إنها قصة أب يحاول أن يسد الشقوق التي أحدثتها الحرب في حياة أسرته تماما كما يسد الثقوب في البراميل القديمة.
وبين مهن اختفت بفعل توقف عجلة الاقتصاد وأخرى فرضتها ظروف الحرب، يجد آلاف الغزيين أنفسهم أمام سوق عمل مختلف تماماً عمّا عرفوه قبل سنوات، إذ لم يعد اختيار المهنة مرتبطاً بالخبرة أو الطموح، وإنما بما تتيحه ظروف البقاء.
وتعكس التحولات التي يشهدها سوق العمل في قطاع غزة واحدةً من أعمق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. فقبل اندلاع الحرب، كان الاقتصاد الغزي يعاني أساساً من معدلات بطالة مرتفعة وحصار طويل الأمد، إلا أن الحرب الأخيرة أدت إلى انهيار غير مسبوق في البنية الاقتصادية، بعدما تعرضت آلاف المنشآت التجارية والصناعية والزراعية للتدمير أو التعطيل.