الأخبار

كيف وصلت تميمة مصرية عمرها 2600 عام إلى مقبرة امرأة إيبيرية؟

يفتح الاكتشاف الأثري الجديد في مدينة سيوداد ريال في إسبانيا باباً واسعاً أمام إعادة قراءة العلاقات القديمة بين حضارات البحر المتوسط.

فقد عثر علماء آثار إسبان على جعران فرعوني نادر” تميمة” داخل مقبرة تعود إلى ما قبل العصر الروماني في وسط إسبانيا، في واقعة أثارت اهتمام الباحثين بتاريخ التبادل التجاري والثقافي بين مصر القديمة وشعوب شبه الجزيرة الإيبيرية.

 

ووقع الاكتشاف في مقبرة إل تورو، الواقعة قرب بلدة ألكوبيّاس في إقليم سيوداد ريال الإسباني، حيث يلتقي نهر خابالون، أحد روافد نهر غواديانا، بجدول أوريغون. هذه المنطقة كانت قبل أكثر من 2000 عام جزءاً من أراضي شعب الأوريتانيين، أحد الشعوب التي استوطنت وسط شبه الجزيرة الإيبيرية قبل التوسع الروماني.

وخلال أعمال تنقيب أثرية أُجريت بين عامي 2016 و2017، تمكن الباحثون من اكتشاف 12 مدفناً بسيطاً لا يتجاوز عمقها بضعة سنتيمترات، احتوت على خمس جرار جنائزية.

غير أن إحدى تلك الجرار كانت تخبئ مفاجأة استثنائية: تميمة جعران مصري صغيرة ذات لون أزرق فيروزي، يُرجح أنها صُنعت في مدينة منف المصرية خلال القرن السابع أو السادس قبل الميلاد.

 

تميمة صغيرة وأسئلة كبرى

لا يتجاوز طول الجعران المكتشف سنتيمتراً ونصف السنتيمتر، ويزن نحو غرام واحد فقط، لكنه يحمل قيمة تاريخية وحضارية هائلة. فالقطعة مصنوعة من خزف مطلي بطبقة زرقاء فاتحة، وعلى قاعدتها نقوش هيروغليفية واضحة تتضمن اسم “بسامتيك” أو “بسماتيك”، وهو الاسم الذي حمله ثلاثة من فراعنة الأسرة السادسة والعشرين في مصر القديمة.

 

ويرى الباحثون أن التميمة ربما تعود إلى الفترة الممتدة بين حكم الفرعون بسماتيك الأول وبسماتيك الثاني، أي ما بين عامي 664 و589 قبل الميلاد، وهي مرحلة شهدت انفتاحاً مصرياً واسعاً على التجارة المتوسطية، خصوصاً عبر الموانئ الفينيقية واليونانية. لكن السؤال الأكثر إثارة لا يتعلق بتاريخ القطعة بقدر ما يتعلق برحلتها الطويلة: كيف وصلت تميمة صنعت على ضفاف النيل إلى مقبرة امرأة في قلب شبه الجزيرة الإيبيرية؟

 

المتوسط جسد الحضارات

يرجح الباحثون الذين نشروا نتائج دراستهم في مجلة الآثار المصرية Journal of Egyptian Archaeology أن الجعران وصل إلى إسبانيا عبر شبكات التجارة الفينيقية – البونية التي كانت تنشط بكثافة في البحر المتوسط خلال تلك الحقبة. فالفينيقيون، الذين أسّسوا مراكز تجارية واسعة من سواحل الشام حتى قرطاج وجنوب إسبانيا، لعبوا دور الوسيط الحضاري بين الشرق والغرب، ونقلوا البضائع والأفكار والرموز الدينية والطقوس الجنائزية بين الشعوب المختلفة.

ويشير علماء الآثار إلى أن الجعران الإسباني يشبه بدرجة كبيرة قطعاً أثرية عُثر عليها في قرطاج وسردينيا وجبل طارق، ما يعزز فرضية انتقاله عبر شبكات التجارة البحرية المتوسطية. ولا يستبعد الباحثون أن تكون التميمة قد وصلت إلى سكان المنطقة بوصفها سلعة ثمينة أو هدية ذات قيمة رمزية عالية، قبل أن تُدفن لاحقاً ضمن مقتنيات امرأة من النخبة المحلية.

 

 

غير أن المثير في هذا الاكتشاف أنَّ الجعران لم يُعثر عليه في قصر أو معبد، بل داخل جرة جنائزية تضم بقايا امرأة شابة تعرض جسدها للحرق الكامل وفق طقوس جنائزية كانت معروفة لدى بعض شعوب شبه الجزيرة الإيبيرية القديمة.

وقد وُجدت إلى جانب العظام المحترقة خرزات زجاجية وصفائح نحاسية، ما يشير إلى أن المرأة كانت تتمتع بمكانة اجتماعية مهمة.

ويرى الباحثون أن الجعران ربما كان جزءاً من حُلي شخصية أو تعويذة للحماية الروحية.

وفي الثقافة المصرية القديمة، ارتبط الجعران بدلالات دينية عميقة، إذ كان يرمز إلى التجدد والبعث والحياة الأبدية، مستلهماً حركة خنفساء الجعران التي تدفع كرة الطين كما لو أنها تعيد خلق العالم كل يوم. لذلك استخدم المصريون هذه التمائم في الحياة اليومية وفي الطقوس الجنائزية على حد سواء.

 

تكمن أهمية الاكتشاف، بحسب عالم الآثار لويس بينيتيث دي لوغو، المشرف على الحفريات، في أن الجعران عُثر عليه داخل “سياق أثري مغلق”، أي في موضعه الأصلي دون أن يكون قد نُقل أو تعرض للعبث عبر القرون، وهو أمر نادر في مثل هذه القطع. ويقول الباحثون إن هذه التفاصيل تمنح الاكتشاف قيمة استثنائية، لأنه لا يقدم مجرد قطعة أثرية جميلة، بل يتيح فهماً أعمق لحركة البشر والأفكار والرموز بين الحضارات القديمة، ويكشف أن البحر المتوسط جسد من التفاعل الثقافي والتجاري والروحي. كما يسلط الضوء على دور النساء في المجتمعات الإيبيرية القديمة، وهي جوانب لا تزال الدراسات الأثرية تكشف عنها تدريجياً.

المصدر: العربي الجديد

زر الذهاب إلى الأعلى
تلفزيون المدينة

مجانى
عرض