Site icon تلفزيون المدينة

كيف غيرت الخيمة شكل العائلة في غزة؟

إذا سألتَ أي فلسطيني في قطاع غزة: “ماذا شعرت عندما فقدت بيتك؟”، سيقول جملةً واحدةً على الأغلب، وهي: “حسيت إني فقدت روحي”. وهو لا يقصد بذلك تعبيرًا مجازيًا أو صورة بلاغية، بل حقيقة بحتة، فمن يفقد بيته يفقد روحه، ولكن دون أن يموت. كيف لا وهو يفقد بذلك روح البيت، وهي لمة العائلة على السفرة، والدفء الذي لا يمنحه إياه أي مكانٍ آخر في العالم سوى منزله، كما يخسر بالتوازي مع ذلك هيكلية العائلة التي ظن تمامًا أنها شيء لا يمكن خسارته إلا بفقدان العائلة نفسها.

 

في النهاية فإن الخيمة لم تعد تشكيل العائلة الغزية فقط، بل جعلتها في اتصال زمني دائم مع الخارج، حتى بات ممكنًا القول: لقد أصبحت غزة مخيمًا كبيرًا يضم عائلةً واحدة

 

وقد ظهر الأمر جليًا مع انتقاله للعيش في خيمة، بعدما أمضى حياته كلها لا يعرف معنى أن ينام الإنسان في العراء، أو أن يكون سقف بيته قطعة قماش مهترئة، ومكان قضاء حاجته مكشوفًا على العالم. وهنا، وجد الفلسطيني في غزة نفسه أمام نظامٍ قاسٍ يعيد تشكيل العائلة بصمت، ويوزع الأدوار وفق ما يقتضيه قانون النجاة، ولا يتوقف عن دفن روح العائلة وعاداتها في الذاكرة.

 

عندما سقطت جغرافيا العائلة

جغرافيًا، لن يكون كافيًا إذا قلنا إن البيت يتكون من غرف وجدران وأسقف وصمتنا بعد ذلك، فجغرافيا البيت مختلفة تمامًا عن غيرها، إذ إنها توزع على أفراد العائلة مساحات نفسية أيضًا، تنظم العلاقات بينهم دون أن ينتبهوا، وتمنحهم قدرًا كافيًا من الخصوصية -في الغالب- يجعلهم قادرين على الحزن والبكاء والغضب بعيدًا عن أنظار بعضهم، فتبقي بذلك التوازن قائمًا داخل العائلة مهما اشتدت شراسة الحياة في الخارج.

 

ولكن عندما سقطت جغرافيا العائلة دفعة واحدة نتيجة فقدان البيت والانتقال للعيش في خيمة، وجد الفلسطيني في غزة نفسه عاريًا أمام أفراد أسرته وأمام نفسه أيضًا، ومع أن هذا العري يشمل الجسد أحيانًا، إلا أنه نفسيٌ أكثر من كونه جسديًا، فلا بكاء الأم أصبح ممكنًا بعيدًا عن أعين أطفالها، ولا قهر الأب بات شيئًا يمكن مداراته بالقول أو الفعل أو الانهماك في العمل.

فضلاً عن اجتماع العائلة الدائم في مساحة ضيقة، وما يترتب على ذلك من احتكاكٍ مستمر يلغي التوازن الذي يحفظ هيكلية العائلة ويخفف ثقل الحياة.

 

أدوارٌ جديدة لكل فرد

 

تحت ضغط الخوف والجوع والبرد في الخيمة، وجد أفراد العائلة أنفسهم يلعبون أدوارًا جديدة لم يعتادوها من قبل، ففي الوقت الذي أسقطت فيه الخيمة جغرافيا العائلة، أعادت أيضًا توزيع الأدوار داخلها بقسوة شديدة.

وهنا، لم يعد الأب قادرًا على توفير الحماية أمام جيشٍ من القوارض، ولا قادرًا على خداع أطفاله عندما تقصف الطائرات بالقول: “تعالو إلى بيت الدرج، فهو أأمن مكان في البيت” أو القول: “الغرفة الغربية يستحيل أن تصلها القذائف”.

 

كما أصبح عاجزًا أيضًا عن توفير الاستقرار، وإلا فكيف تقنع من يعيش في خيمة أن غدًا سيكون أفضل؟ بينما زوجته على الطرف الآخر، أصبحت مدبرة أزمة أكثر منها مربية ومديرة منزل، تهتم بالكم ولا تلقي بالًا للكيف.

في الوقت الذي دفعت فيه الخيمة الأطفال لمغادرة أعمارهم مبكرًا، وجعلتهم جزءًا من تفاصيل لا تليق بأعمارهم، كنقل جالونات المياه الثقيلة، وتجميع الحطب من ركام البيوت، والسهر رفقة الأب لسد منافذ الخيمة من الشتاء.

 

إعادة هندسة العائلة

هندسيًا، هناك أعمدةٌ رئيسية في أي بيتٍ قائم، وإذا تعرضت هذه الأعمدة إلى إصابة، قد ينهار المنزل في أي لحظة. بينما هناك أعمدةٌ أخرى لا تؤدي إصابتها إلى انهيار المنزل كاملًا، ولكنها أيضًا قد تجعل منه مكانًا غير صالح للسكن. ينطبق الأمر نفسه على أي عائلة، فإذا اعتبرنا الأب والأم والإخوة أعمدة رئيسية فيها، فإن الأجداد والأعمام والعمات والأخوال والخالات، يشكلون جزءًا أصليًا أيضًا، قد يؤدي غيابه لانهيار العائلة، حتى لو كان ذلك على المستوى النفسي.

 

وبتطبيق ذلك على غزة، نجد أن خسارة البيت مكانيًا، جرد العائلة من أعمدتها، وجعلها أكثر هشاشة وأقل عددًا. فالبناية التي كانت تجمع أحفاد الجد كاملين، أصبحت في خبر كان، والحارة التي كانت تجمع الأقارب من أولهم إلى آخرهم، وتجعل العائلة ممتدة إلى ما لا نهاية، لم تعد موجودة. فقد تفرق الأهل بين مواصٍ ومواصي، ولم يكن يمتلك أي منهم رفاهية اختيار مكان خيمته، ولا حتى تغييرها مع مرور الوقت. وهكذا، نجد أن الخيام غيرت شكل العائلة، تحكمت في تعدادها وأماكن تواجد أفرادها وارتباطاتها النفسية والمكانية أيضًا.

 

عادات خسرتها العائلة للأبد

من يعيش في غزة، يرى ركامها على امتداد البصر صباحًا ومساءً، ويدرك أن إعادة إعمارها أمرًا أشبه بالخيال، وإن كان ذلك ممكنًا يومًا ما فلن يكون غدًا ولا بعد غد. وهذا يعني بالضرورة خسارة العائلة لعادات وتقاليد كثيرة كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالبيت، ولن تستطيع الخيمة -مهما تطورت- إعادتها إلى الواجهة، بدءًا من الصالة التي يمكن استقبال الضيوف فيها، مرورًا بالسطح الذي اعتاد الغزيون أن يقضوا فوقه أغلب ساعات الصيف، وصولًا لفنجان القهوة الصباحي في ساحة البيت الواسعة.

 

عند هذه النقطة بالتحديد، نجد أن العائلة الفلسطينية في غزة لم تخسر عاداتها بشكلٍ مؤقتٍ فقط، خصوصًا أنها فقدت البيئة التي كانت تسمح بوجودها أصلًا. ونكتشف أن البيت بشكله القديم كان قادرًا على ترميم العلاقات بين أفراد العائلة وتوطيدها، وحمايتها من التآكل اليومي الذي باتت تفرضه الخيمة اليوم. لذلك يمكن القول إن فقدان الفلسطيني لبيته يعني بالضرورة فقدانه للطريقة التي كانت تعيش بها عائلته.

 

لا باب يوصد بعد الآن

 

لا يمكن النظر إلى أي بابٍ في العالم على أنه مجرد باب، قطع خشبية أو حديدية متراصة فقط. بل هو دائمًا بمثابة حدٍ فاصلٍ بين زمنين/طقسين، أي بين مكانين مختلفين تمامًا. وعند الحديث عن باب البيت، نجد أنه يشكل أيضًا سدًا منيعًا أمام تسرب حكايات العائلة، ويمنح شعورًا خفيًا بالسيطرة والأمان. ومع الانتقال للعيش في خيمة، لم يجد الفلسطيني بابًا يمكن أن يوصده، وبالتالي فقد قدرته على عزل العائلة عن الخارج، وأصبح الداخل والخارج زمنين متصلين طوال الوقت.

 

ولم يعد غريبًا أن يسمع النازح وجهة نظر جاره وزوجته في مشكلة عائلية حدثت داخل خيمته! وأصبح سهلًا على الجارات أن يعرفن أخبار جاراتهن دون الحاجة لسؤالٍ، إذ فقدت الأسرار العائلية مكانتها، بل ربما لم يعد مصطلح -أسرار عائلية- شيئًا موجودًا بالفعل. من جانبٍ آخر، أصبح الهدوء حدثًا استثنائيًا، قد لا يقع لأيامٍ طويلة إلا في ساعات الليل المتأخرة، لنجد في النهاية أن الخيمة لم تعد تشكيل العائلة الغزية فقط، بل جعلتها في اتصال زمني دائم مع الخارج، حتى بات ممكنًا القول: لقد أصبحت غزة مخيمًا كبيرًا يضم عائلةً واحدة.

 

المصدر: الترا فلسطين

Exit mobile version