Site icon تلفزيون المدينة

كيف تعيد “إسرائيل” رسم خارطة فلسطين بالاستيطان والتهجير؟

بعد 78 عامًا على النكبة، لا يزال الفلسطينيون يعيشون فصولها المتجددة، في ظل سياسات إسرائيلية متسارعة تستهدف الأرض والإنسان والهوية.

 

وبين التوسع الاستيطاني، وتهجير السكان، وتقسيم الجغرافيا الفلسطينية إلى معازل منفصلة، يرى محللون وخبراء أن ما يجري اليوم ليس سوى امتداد مباشر لمشروع النكبة، ولكن بأدوات أكثر تعقيدًا وتنظيمًا، تهدف إلى فرض واقع دائم يمنع قيام دولة فلسطينية مستقلة ويعيد تشكيل الخارطة الفلسطينية بما يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية.

 

فلم تكن النكبةحدثًا انتهى عام 1948، بل تحوّلت إلى واقع يومي يعيشه الفلسطينيون، تصاعدت ملامحه خلال السنوات الأخيرة في الضفة الغربية وقطاع غزة، في ظل صعود منظومة سياسية إسرائيلية أكثر تطرفًا.

 

ويحيي الشعب الفلسطيني، في الخامس عشر من أيار/ مايو من كل عام ذكرى نكبة فلسطين، وهو التاريخ الذي شهد إعلان قيام الاحتلال الإسرائيلي عام 1948، على أنقاض القرى الفلسطينية المدمرة.

 

النكبة.. من حدث مؤقت إلى واقع دائم

 

مدير دائرة الخرائط في جمعية الدراسات العربية خليل التفكجي، يرى أن النكبة الفلسطينية لم تكن نتيجة الفعل الإسرائيلي وحده، بل جاءت – وفق تعبيره – في سياق تعاون عربي أسهم في إقامة الدولة العبرية.

 

ويقول التفكجي لـ “وكالة سند للأنباء”، إن بعض الأنظمة العربية لعبت دورًا مباشرًا أو غير مباشر في تنفيذ قرار التقسيم رقم 181، الذي منح القدس وضعية خاصة ومهّد لإقامة “إسرائيل”.

 

واستغل الاحتلال اتفاقيات الهدنة ووجود الجيوش العربية التي دخلت تحت شعار “الإنقاذ”، ما ساهم عمليًا في تثبيت قيام الدولة العبرية، وفق التفكجي.

 

ويشير إلى أن النكبة التي وُصفت حينها بالمؤقتة تحوّلت إلى واقع دائم، مع توسع “إسرائيل” على حساب الأراضي الفلسطينية بما يفوق ما خُصص لها في قرار التقسيم.

 

ويلفت إلى اقتطاع أجزاء واسعة من قطاع غزة بعد اتفاقيات الهدنة مع مصر، ما أدى إلى تقليص مساحة القطاع من نحو 550 كيلومترًا مربعًا إلى 365 كيلومترًا مربعًا.

 

وفيما يتعلق بالضفة الغربية، يشير التفكجي إلى أن ضمها إلى الأردن تم بالقوة ولم يحظ باعتراف دولي واسع، وهو ما استغلته إسرائيل” لاحقًا لاعتبارها “أراضي متنازعًا عليها”، تمهيدًا لمزيد من السيطرة والتوسع الاستيطاني.

 

وحول ما يجري اليوم من استهداف للمخيمات الفلسطينية، سواء في الضفة الغربية أو ضمن المخطط الإسرائيلي لإنهاء قضية اللاجئين، يرى ضيفنا أنه “يأتي في إطار تصفية قضية النكبة وإنهاء رمزية المخيم باعتباره شاهدًا على حق العودة”.

 

أوسلو.. ترسيخ للنكبة

 

وفي إطار حديثه عن اتفاقية أوسلو وما أعقبها من ممارسات إسرائيلية للسيطرة على المزيد من الأرض، يقول التفكجي إنها جاءت لترسيخ فصول النكبة، واصفًا إياها بأنها “جريمة بحق الشعب الفلسطيني”، لأنها منحت اعترافًا بـ “إسرائيل” مقابل سلطة فلسطينية محدودة الصلاحيات، فيما استغلها الاحتلال لتكريس سيطرته على الأرض وتقليص فرص إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة.

 

ويبيّن أن “إسرائيل” تسيطر اليوم على أكثر من 62% من مساحة الضفة الغربية، عبر سياسات التهجير القسري وتفريغ المناطق من سكانها، موضحًا أن أكثر من 40 ألف فلسطيني تعرضوا للتهجير، إلى جانب استهداف التجمعات البدوية لصالح التوسع الاستيطاني.

 

ما تبقى من فلسطين

 

وفي ظل التوسع الاستيطاني، باتت الخارطة الفلسطينية تشهد تقلصًا متواصلًا، وفق “ضيف سند”، مشيرًا إلى أن الفلسطينيين كانوا يملكون كامل القدس، بينما لم يتبقَّ لهم اليوم سوى نحو 13% فقط منها.

 

ويوضح: “الضفة الغربية كانت بكاملها تحت السيطرة الفلسطينية قبل الاحتلال، إلا أن الواقع تغيّر بشكل كبير مع استمرار مشاريع الاستيطان، وإقامة المزارع الرعوية، وتهجير التجمعات البدوية، إلى جانب بناء المستوطنات حتى داخل مناطق “أ” و”ب”، ما أدى إلى انكماش المساحات الفلسطينية بشكل تدريجي ومتسارع.

 

وبدأ الاحتلال يستغل حتى المساحات المحدودة المتبقية ضمن مناطق “أ”، والتي تشكل نحو 18%، عبر فرض وقائع جديدة على الأرض، ويعقّب التفكجي: “الخارطة الجديدة التي تسعى إسرائيل لفرضها تقوم على تجمعات فلسطينية معزولة، محاطة بالمستوطنات والسيطرة الإسرائيلية من جميع الجهات”.

 

ويعتمد الاحتلال في ذلك على شبكة الطرق الالتفافية والأوامر العسكرية، ومنها الأمر العسكري رقم 50، إلى جانب مخططات شق الطرق الاستيطانية التي بدأت منذ عام 1983، والتي تهدف إلى ربط البؤر الاستيطانية ببعضها البعض وتوسيعها عبر بنى تحتية خاصة بالمستوطنين، تبعًا لحديث التفكجي.

 

فصل جغرافي وسياسي..

 

ويبيّن ضيفنا، أن “إسرائيل” تعمل بشكل متسارع على فصل البنية التحتية الفلسطينية عن الإسرائيلية، من خلال إنشاء شبكات طرق وخدمات منفصلة، بما يكرّس الفصل الجغرافي والسياسي ويعيد رسم الحدود وفق الرؤية الإسرائيلية.

 

ويلفت التفكجي إلى ما وصفه بمشروع “مردخاي كيدار” الصادر عام 2005، والقائم على فكرة “دولة العشائر والقبائل”، بحيث يتحول كل تجمع فلسطيني أو قرية إلى كيان منفصل يقوده رئيس عائلي أو طائفي يدير شؤونه الخاصة بعيدًا عن أي إطار وطني جامع.

 

ويحذر من أن استمرار هذا الواقع سيؤدي إلى محو فكرة الدولة الفلسطينية والوطن من الذاكرة الجمعية، واستبدالها بكيانات صغيرة مفككة، بما يخدم المشروع الإسرائيلي الرامي إلى إنهاء أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.

 

وعن الهدف النهائي لهذه السياسيات، يقول إن الاحتلال يسعى لمنع قيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافيًا، واستبدالها بتجمعات سكانية منفصلة ومعزولة، تُدار ضمن كيانات محلية وعائلية، بعيدًا عن أي مفهوم حقيقي للسيادة الوطنية الفلسطينية.

 

نكبة ثانية..

 

من جانبه، يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة الخليل عماد البشتاوي، أن الشعب الفلسطيني يعيش اليوم “نكبة ثانية” في ظل التصعيد الإسرائيلي.

 

ويقول البشتاوي، إن ما يجري ليس مجرد إجراءات أمنية طارئة، بل مشروع سياسي واستراتيجي متكامل يستهدف فرض السيطرة الكاملة على الأرض الفلسطينية.

 

ويوضح، أن التوسع الإسرائيلي في الضفة الغربية يتم دون أي اعتبار للاتفاقيات الموقعة أو القوانين الدولية، وحتى دون الحد الأدنى من الاعتبارات الإنسانية.

 

ويشير البشتاوي، إلى أن البعض يربط هذه السياسات بما بعد السابع من أكتوبر، إلا أنه يرى أن جذور المشروع تعود إلى تشكيل الحكومة الإسرائيلية الحالية نهاية عام 2022، حين رفع وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش شعارًا يقوم على ثلاثة خيارات للفلسطينيين: “القبول بالأمر الواقع، أو الهجرة، أو القتل”.

 

ولم تكتف “إسرائيل” بالسيطرة على معظم مناطق “ج”، بل توسّعت إلى مناطق “ب”، وانتقلت إلى تنفيذ الاغتيالات والاعتقالات داخل مناطق “أ”، ما يعكس – بحسب قوله – توجها واضحًا نحو السيطرة الكاملة على فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر، تبعًا لحديثه.

 

ويشبّه البشتاوي ما يحدث اليوم بممارسات العصابات الصهيونية قبل نكبة عام 1948، معتبرًا أن “إسرائيل” تعيد إنتاج فلسفة الترويع التي مورست آنذاك، مثلما حدث في مجزرة دير ياسين، بهدف خلق بيئة طاردة للفلسطينيين ودفعهم إلى الرحيل.

 

ويؤكد أن حكومة الاحتلال الحالية تستغل أحداث السابع من أكتوبر لتشديد الخناق على الفلسطينيين ماليًا وجغرافيًا واجتماعيًا، ضمن رؤية استراتيجية تتبناها أحزاب اليمين القومي والديني، وعلى رأسها الليكود والصهيونية الدينية والأحزاب الحريدية.

 

ويصف ضيفنا، الحكومة الحالية بأنها الأكثر تطرفًا في تاريخ “إسرائيل”، مشيرًا إلى أن تماسك الائتلاف الحاكم يعود إلى وحدة الهدف المتمثل في الاستيلاء على أكبر مساحة ممكنة من الأرض الفلسطينية، وحصر الفلسطينيين في أقل مساحة جغرافية ممكنة.

 

غزة.. نموذج النكبة

 

وتطرق أستاذ العلوم السياسة إلى ما يحدث في قطاع غزة، مشيرًا إلى أنه “يمثل نموذجًا واضحًا للنكبة، حيث يُحاصر أكثر من مليوني فلسطيني في نصف مساحة القطاع، بينما يجري تطبيق السيناريو ذاته في الضفة الغربية، عبر دفع أكثر من ثلاثة ملايين فلسطيني للعيش في أقل من 40% من مساحة الضفة.

 

وتحاول “إسرائيل”، وفق البشتاوي، “هندسة الوعي الفلسطيني”، عبر خلق إنسان فلسطيني خاضع ومنتظر لإشارة الجندي الإسرائيلي كي يتحرك أو يعيش.

 

ورغم ذلك، يرى البشتاوي أن هذه السياسات ليست قدرًا محتومًا، مؤكدًا أن الشعب الفلسطيني ومؤسساته وتنظيماته يمتلكون القدرة على مواجهة هذه المشاريع الاستيطانية وإفشالها، إذا ما توفرت الإرادة والسياسات الوطنية القادرة على التصدي لها.

 

توسع بلا حدود

 

بدوره، يقول الكاتب والمحلل السياسي محمد القيق إن المشروع الصهيوني منذ بداياته لم يكن قائمًا على حدود قرار التقسيم لعام 1947، بل انطلق عبر العصابات المسلحة نحو مشروع توسعي شامل يهدف إلى السيطرة الكاملة على فلسطين وفرض واقع جديد بالقوة عبر القتل والتهجير وتشريد الفلسطينيين.

 

ويوضح القيق، أن هذه العصابات المسلحة كانت النواة الفعلية التي أُسست عليها دولة الاحتلال الإسرائيلي، معتبرًا أن النكبة لم تكن حدثًا عابرًا، بل بداية لمسار طويل من التوسع الاستعماري المستند إلى القوة العسكرية والدعم الدولي والعربي غير المباشر.

 

وينوه، إلى أن العقيدة الإسرائيلية منذ التأسيس وحتى اليوم تقوم على قاعدة ثابتة تتمثل في استغلال الحروب من أجل التوسع، واستغلال عمليات السلام من أجل فرض الهيمنة وتعزيز السيطرة.

 

وبعد احتلال عام 1967 اتجهت “إسرائيل” إلى توسيع نفوذها في الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان السوري المحتل وسيناء، قبل أن تُستعاد الأخيرة لاحقًا ضمن ترتيبات سياسية شملت نزع سلاحها.

 

ويكمل “إسرائيل كانت تسعى في كل مواجهة عسكرية إلى فرض واقع جديد، سواء عبر السيطرة على الأرض أو فرض شروط سياسية وأمنية جديدة”، مستشهدًا باجتياح لبنان عام 1982 والوصول إلى بيروت.

 

كما لم تمنع الانتفاضتان الأولى والثانية “إسرائيل” من استثمار الصراع لصالحها، بل استغلتهما لتوسيع الاستيطان وبناء الجدار العنصري ومصادرة المزيد من الأراضي، خاصة في القدس والضفة الغربية، وفق القيق.

 

ويردف: “اتفاقية أوسلو منحت الاحتلال غطاءً سياسيًا ودوليًا، إذ قدمت إسرائيل نفسها للعالم كطرف يسعى إلى السلام، بينما كانت تواصل فرض سيطرتها على الأرض، مضيفًا: “السلام كان على الطاولة، لكن الحرب كانت مستمرة في الميدان”.

 

ويعد القيق ما يعرف بـ “صفقة القرن”، امتدادًا لهذا النهج، عبر استغلال تناقضات المصالح العربية والضغط الأمريكي لإزاحة القضية الفلسطينية عن المشهد الإقليمي.

 

مشروع توسعي واضح..

 

وفيما يتعلق بالحرب الأخيرة منذ عام 2023، قال القيق إن “إسرائيل” وصلت إلى مرحلة أكثر وضوحًا في مشروع التوسع، سواء عبر ما وصفه بالخط الأصفر في غزة، أو التوسع في جنوب لبنان، أو تسريع الاستيطان ومصادرة الأراضي في الضفة الغربية، إلى جانب سياسات التهجير والتضييق في القدس المحتلة، موضحًا أن التوسع الإسرائيلي لم يتوقف عند فلسطين ولبنان، بل امتد إلى سوريا، عبر الاعتداءات اليومية ومحاولات فرض وقائع جديدة.

 

ويشدد، على أن فكرة “إسرائيل” منذ تأسيسها قائمة على مشروع “إسرائيل الكبرى”، وأن دولة عام 1948 لم تكن سوى نواة لهذا المشروع، سواء عبر الاستيطان في الضفة الغربية التي يسميها الاحتلال “يهودا والسامرة”، أو عبر التمدد نحو الجولان وسيناء ولبنان.

 

ويرى القيق، أن الفارق بين قادة الاحتلال المتعاقبين ليس في الجوهر بل في الأدوات، معتبرًا أن جميعهم تحكمهم العقلية ذاتها القائمة على الحروب والصراعات والهيمنة والتوسع المستمر.

 

ويختم بالقول: “إسرائيل لا تسعى فقط إلى تثبيت حدودها أو حماية وجودها، بل تعمل باستمرار على توسيع حدودها الجغرافية والسياسية ضمن مشروع استيطاني طويل الأمد يقوم على فرض (إسرائيل الكبرى) كأمر واقع في المنطقة”.

 

 

المصدر: سند

Exit mobile version