الأخبار

كيف تتحكم “سلاسل الإمداد” في أسعار طعامنا؟

By Beesan Kharoof

May 13, 2026

تقف أمام رف السوبر ماركت، تمتد يدك لالتقاط عبوة زيت طهي أو كيس من الأرز، لتتفاجأ بأن السعر قد ارتفع عدة شواكل مقارنة بالشهر الماضي. تسأل البائع ممتعضاً، فيجيبك بالعبارة المعتادة: “البضاعة غليت من المصدر، والمعابر مغلقة”.

 

هذه الإجابة البسيطة تلخص في طياتها واحداً من أعقد المصطلحات الاقتصادية التي تلامس حياتنا اليومية بشكل مباشر: “سلاسل الإمداد” (Supply Chains). فكيف تتحكم هذه السلاسل الخفية في أسعار طعامنا؟ ولماذا يدفع المواطن الفلسطيني ضريبة مضاعفة لأي خلل يحدث في أي مكان في العالم؟

 

ما هي “سلاسل الإمداد”؟

 

ببساطة، سلسلة الإمداد هي الرحلة الطويلة والشاقة التي تقطعها السلعة منذ أن كانت مادة خاما، مروراً بتصنيعها، ثم شحنها وتخزينها، وصولاً إلى عرضها على رف المتجر ليشتريها المستهلك.

 

أي سلعة مستوردة تستهلكها اليوم، هي بمثابة مسافر قطع آلاف الكيلومترات، وعبر محطات متعددة. وإذا تخيلنا أن هذه السلسلة هي مجموعة من الحلقات المترابطة، فإن انكسار أو تعطل حلقة واحدة فقط (مثل إغلاق ميناء، أو نقص الحاويات، أو تعطل سفينة) سيؤدي إلى “تأثير الدومينو”، ليضرب في النهاية الحلقة الأخيرة: جيب المستهلك.

 

رحلة السلعة

 

لفهم سبب ارتفاع الأسعار، يجب تتبع رحلة بضائعنا المعتادة (كالطحين، السكر، الزيوت، والمعلبات):

 

بلد المنشأ (المصنع): تبدأ التكلفة من المصنع الأجنبي. إذا ارتفعت أسعار الطاقة هناك، أو حدثت أزمة سياسية أو طبيعية، يرتفع سعر السلعة الأساسي.

 

الشحن البحري (أزمة الحاويات): تُنقل البضائع في حاويات ضخمة عبر المحيطات. تكلفة الشحن تتأثر بأسعار الوقود العالمية، والتوترات الجيوسياسية (مثل أزمات البحر الأحمر أو إغلاق المضائق)، مما يضاعف أحياناً أجور النقل والتأمين البحري بشكل جنوني.

 

العقدة الفلسطينية

 

في معظم دول العالم، تصل البضائع إلى الميناء وتتجه مباشرة للمتاجر. أما في فلسطين، فالأمر معقد للغاية، وهنا تتضخم الأسعار بشكل إضافي:

 

الموانئ الإسرائيلية (أسدود وحيفا): لا يمتلك الفلسطينيون سيطرة على الموانئ أو الحدود. تصل البضائع إلى الموانئ الإسرائيلية وتخضع لإجراءات تفتيش أمني معقدة وبطيئة.

 

رسوم الـ “أرضيات”: أي تأخير في تخليص البضائع من الميناء -سواء بسبب إضرابات عمالية إسرائيلية، أو أعياد يهودية، أو إجراءات أمنية مشددة- يكلف التاجر الفلسطيني رسوماً باهظة تُعرف بـ “الأرضيات” (رسوم تخزين الحاويات).

 

سياسة “الظهر للظهر” (Back-to-Back): عند وصول البضائع إلى المعابر التجارية بين أراضي 48 والضفة وغزة (مثل ترقوميا، الجلمة، أو كرم أبو سالم)، لا تدخل الشاحنات الإسرائيلية مباشرة. بل يتم تفريغ البضائع من الشاحنة الإسرائيلية وإعادة تحميلها في شاحنة فلسطينية. هذه العملية تستنزف وقتاً وجهداً وتضيف تكلفة عمالة وتخزين جديدة.

 

إغلاق المعابر: في حال حدوث أي توتر أمني، يتم إغلاق المعابر بشكل فوري. تتكدس البضائع، وتتلف السلع الطازجة، وتتراكم تكاليف التخزين على المستورد.

 

المستهلك يدفع الفاتورة النهائية

 

في عالم التجارة، التاجر أو المستورد لا يمتص هذه الخسائر أو التكاليف الإضافية من هامش ربحه، بل يقوم بجمع كل هذه المصاريف الإضافية (ارتفاع الشحن العالمي + رسوم التخزين في الموانئ + تكلفة النقل المزدوج + المخاطرة الأمنية) ويضيفها إلى السعر النهائي للسلعة.

 

لذلك، عندما يشتري المواطن السلعة، هو لا يدفع ثمنها الفعلي فقط، بل يدفع تكلفة رحلتها الشاقة والمعقدة والمعطلة عبر سلاسل الإمداد.

 

طالما يعتمد السوق الفلسطيني بشكل شبه كلي على الاستيراد، ولا يمتلك سيادة على معابره أو موانئه، ستبقى الأسعار أسيرة لأي رصاصة تُطلق، أو سفينة تتعطل، أو معبر يُغلق، وستبقى “القوة الشرائية” للمواطن هي الضحية الأولى لضعف وعراقيل سلاسل الإمداد.

المصدر: الإقتصادي