
قصّة انقلاب مُعلن.. قراءة في قرارات الكابينيت بالضفة الغربية
في 8 شباط 2026، أقر مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر (الكابينيت) سلسلة من القرارات التي من المتوقع أن تغير بشكل جذري واقع الضفة الغربية. على مدار ثلاثة أعوام فإن ما يوصف بـ”إنجازات” سموتريتش للمشروع الاستيطان تفوق كل ما حققته الحكومات الإسرائيلية مجتمعة منذ 1967، ولهذا قال سموتريتش “نحن نغير الـ DNA لنظام الاحتلال”، بينما تفاخرت الوزيرة “الإسرائيلية” ستروك بالقول: “نحن فعلًا في فترة معجزة”. وفي هذه المقالة نقدم قراءة في قرارات الكابينيت الأخيرة.
ماذا أقرت حكومة الاحتلال؟
ثمة ثلاث قرارات مهمة، وغير مسبوقة صدرت عن حكومة الاحتلال
إلغاء جزئي لاتفاقيات أوسلو: حسب اتفاق أوسلو، فإن المسؤولية الإدارية على المناطق “أ” (المدن الفلسطينية الكبرى) والمناطق “ب” (الريف الفلسطيني المحاذي للمدن الكبرى) تقع بيد سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية.
قرار الكابينت الجديد يسمح لإسرائيل بالتدخل إداريًا في هذه المناطق في قضايا مثل البناء، والمياه، والآثار، والبيئة، وقد تؤدي إلى هدم منازل ومشاريع فلسطينية بقرارات من الإدارة المدنية وبدون الرجوع إلى سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية. القرار يُعدّ جزءًا من مسار عملي لتحقيق رؤية ضم 82% من الضفة الغربية التي طرحها سموتريتش عام 2025، حتى دون إعلان رسمي بالضم. السياسات الجديدة تعني عمليًا إلغاءً أحاديًا لاتفاقيات أوسلو والتفاهمات مع منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، والتقدم نحو فرض السيادة الإسرائيلية.
إلغاء العمل بالقانون الأردني الذي يمنع بيع الأراضي لليهود أو الأجانب في الضفة. هذا يعني أن الاستيطان في الضفة الغربية لن يبقى مجرد مشروع استعماري تقوده الدولة الإسرائيلية، وإنما سيتداخل مع منطق السوق الليبرالي، وتفتح الأراضي الفلسطينية أمام مستثمرين، ورأسماليين، ومتبرعين يهود وأجانب وفق منطق العرض والطلب.
ولهذا السبب، ترافق هذا القرار الجديد مع قرار آخر يرفع السرية والخصوصية عن سجل الأراضي ويعرضه للعامة بما يسهل عمليات الشراء، وتتبع الملكيات، والسماح للمستثمرين الإسرائيليين التواصل مع أي فرد من أفراد أي عائلة فلسطينية لشراء قطعة أرض، حتى لو كانت داخل المدن الفلسطينية.
نقل صلاحيات ترخيص البناء في الحيّ اليهودي في الخليل، بما يشمل الحرم الإبراهيمي، من بلدية الخليل الفلسطينية إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية. سابقًا، وبموجب اتفاق الخليل لعام 1997، كان أي تغيير عمراني يتطلّب موافقة مشتركة من البلدية والإدارة المدنية. أما الآن، فستصدر الموافقة حصريًا عن جهة إسرائيلية. عمليًا، يفصل القرار الحيّ اليهودي عن بلدية الخليل ويؤسس كيانًا بلديًا مستقلًا، مع منح الإدارة الإسرائيلية للخليل صلاحيات كاملة لإدارة شؤون المستوطنين مباشرة. في نفس الوقت، تم إنشاء إدارة “إسرائيلية” لمسجد بلال (أو ما يسمى بقبة راحيل)، وهو موقع أثري يقع ضمن حدود بلدية بيت لحم. قرار الكابينت يأمر بإنشاء إدارة “إسرائيلية” خاصة تتولى أعمال النظافة، جمع النفايات، التشجير والصيانة الدورية.
كيف نفهم الجوانب القانونية لهذه القرارات؟
تتعارض هذه القرارات بشكل مباشر مع عدد من الاتفاقيات والأطر القانونية:
قراءة في قرارات الكابينيت الإسرائيلي
كيف نفهم انعكاسات هذه القرارات على الفلسطينيين؟
بالنسبة لمن ما زالوا متمسكين بحل الدولتين أو أوفياء لفكرة الدولة الفلسطينية بوصفها أفقًا سياسيًا واقعيًا، تبدو هذه القرارات كارثية، لكنها كارثية من دون امتلاك أي أوراق قوة حقيقية، لأن من يراهن على الدولة الفلسطينية يراهن أيضا على “حكمة” القيادة الفلسطينية وقدرتها على إدارة الصراع سياسيًا، في وقت تتآكل فيه عناصر القوة على الأرض يومًا بعد يوم ويتراجع فيه أفق الدولة.
القرار “الإسرائيلي” يعكس انتقالًا منظمًا نحو ضم فعلي واسع. حيث سيدفع تسهيل شراء اليهود للأراضي الفلسطينية عبر إلغاء القيود السابقة وفتح سجلات التسجيل، نحو تسارع الاستيطان وتعميق السيطرة على الأرض. هذا المسار سيخلق احتكاكات يومية جديدة، ويحوّل النزاع من مستوى سياسي قابل للإدارة إلى صراع ملكية مباشر ومفتوح.
توسيع صلاحيات الإنفاذ الإسرائيلية في مناطق السلطة الفلسطينية يقوّض عمليًا تقسيمات أوسلو، ويقلّص دور السلطة إلى إدارة مدنية محدودة تحت سقف أمني إسرائيلي. من منظور إسرائيلي براغماتي، لا يفتح إضعاف السلطة أفقًا سياسيًا، بل يرفع احتمالات انهيارها أو تراجع التنسيق الأمني، ما قد يفرض على إسرائيل إدارة مباشرة أوسع لملايين الفلسطينيين، وهو عبء ديموغرافي وأمني واقتصادي لا تبدو إسرائيل راغبة في تحمّله.
هذا يعني أن سياسات اليمين، إذا لم تقترن بخطة واضحة وقابلة للتطبيق لإعادة هندسة الواقع السكاني في الضفة الغربية، تفتقر إلى أفق استراتيجي مستقر. في غياب مثل هذه الرؤية، فإن الضم الزاحف والإلغاءات الأحادية المتكررة لبنود أوسلو قد تتحول إلى عامل استنزاف طويل المدى، يرتد سياسيًا وأمنيًا على إسرائيل نفسها.
الآن تحديدًا: النقد السياسي الذاتي ضرورة ملحة
منذ 1967 عملت السياسات الإسرائيلية بشكل منهجي على إنشاء المستوطنات في الضفة الغربية وتوسيعها. بدأت هذه المستوطنات كمشاريع صغيرة ذات طابع أمني وأيديولوجي، ثم تحولت إلى مشروع منظم يمتد في أنحاء الضفة الغربية والقدس. خلال اتفاق أوسلو جرى تأجيل ملف الاستيطان إلى “قضايا الوضع النهائي”، وكان هذا الأمر من أكثر القضايا مخجلة للمفاوض الفلسطيني إذ استمرت المفاوضات بينما تواصل البناء وشق الطرق وترسيخ الاستيطان على الأرض.
تشير البيانات إلى أنه بعد أوسلو تسارع الاستيطان بشكل واضح؛ فقد ارتفع عدد المستوطنين من نحو 100 ألف عشية أوسلو (عام 1991)، إلى حوالي 200 ألف عشية الانتفاضة الثانية (عام 2000)، أي أن عدد المستوطنين تضاعف أثناء سنوات المفاوضات أو ما يسمى “شهر العسل” ما بين منظمة التحرير وإسرائيل.
عندما وقع الانقسام الفلسطيني عام 2006، كان عدد المستوطنين قد ارتفع إلى حوالي 260 ألفًا، وخلال سنوات الانقسام الفلسطيني، وتعاظم قوة حماس في قطاع غزة وتعزيز سلطة فتح في الضفة الغربية، وصل عدد المستوطنين إلى حوالي 500 ألف بحلول 2023 (وهذه الأرقام لا تحتسب عدد المستوطنين في القدس).
وباختصار، منذ 1967 كان المسار واضحًا لمن أراد أن يرى: مشروع استيطاني يتوسع تدريجيًا، ووقائع تُزرع على الأرض عامًا بعد عام. هنا يبرز السؤال المؤلم حول دور السلطة الفلسطينية. إما أنها أدركت المسار واستمرت فيه بدافع حسابات ضيقة، محافظة على امتيازات وبنية سلطة مرتبطة بالتمويل والتنسيق، أو أنها عجزت عن قراءة التحولات وانشغلت بإدارة شبكة مصالح داخلية على حساب المشروع الوطني. في الحالتين، النتيجة واحدة: هذه خطيئة سياسية يتحمل مسؤوليتها من كان يقف على رأس النظام السياسي الفلسطيني ويمنع غيره من تولي دفة القيادة.
المصدر: الترا ففلسطين
