Site icon تلفزيون المدينة

فيفا تربح المليارات .. فمن يدفع فاتورة كأس العالم؟

فيفا تربح المليارات .. فمن يدفع فاتورة كأس العالم؟

فيفا تربح المليارات .. فمن يدفع فاتورة كأس العالم؟

 تنطلق اليوم الخميس منافسات كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، في نسخة استثنائية هي الأكبر في تاريخ البطولة بمشاركة 48 منتخباً للمرة الأولى. وبينما تتجه أنظار مليارات المشجعين حول العالم إلى الملاعب والنجوم والمنتخبات المتنافسة على اللقب، تدور خلف الكواليس معركة اقتصادية بمليارات الدولارات، تكشف أن كأس العالم لم يعد مجرد حدث رياضي، بل تحول إلى صناعة عالمية ضخمة تتقاطع فيها مصالح الحكومات والشركات والمستثمرين وقطاع السياحة والإعلام. فخلال شهر واحد فقط، تتحول المدن المستضيفة إلى مراكز اقتصادية مكتظة بالنشاط التجاري، إذ تمتلئ الفنادق، وتزدحم المطارات، وترتفع أسعار الإقامة والخدمات، وتعمل شبكات النقل والأمن والخدمات العامة بطاقتها القصوى. وفي المقابل، تتدفق المليارات إلى خزائن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) من خلال حقوق البث والرعاية والتسويق والتذاكر والضيافة التجارية.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه مع كل نسخة جديدة من البطولة يبقى: من يربح فعلاً من كأس العالم؟ هل هي فيفا التي تحقق إيرادات قياسية، أم المدن والدول التي تتحمل الجزء الأكبر من تكاليف التنظيم والاستضافة؟ وبحسب تقرير نشرته موسوعة “بريتانيكا”، اليوم الأربعاء، فإن اقتصاد كأس العالم يقوم على نظامين ماليين مختلفين تماماً. الأول يخص فيفا التي تدير الحقوق التجارية للبطولة وتستحوذ على الجزء الأكبر من الإيرادات، والثاني يخص المدن المستضيفة التي تتحمل تكاليف الأمن والنقل والبنية التحتية والخدمات العامة، أملاً في تحقيق عوائد اقتصادية وسياحية طويلة الأجل.

ماكينة أموال عالمية

وأصبحت منافسات كأس العالم واحدة من أكبر المنصات التجارية في العالم. ففيفا لا تبيع مباريات كرة قدم فقط، بل تبيع حقوق بث تلفزيوني وإعلانية وتسويقية ورخصاً تجارية وصفقات ضيافة لكبرى الشركات العالمية. وتظهر الأرقام الرسمية أنه خلال دورة 2019 – 2022 التي اختتمت بمونديال قطر، حقق الاتحاد الدولي إيرادات قياسية بلغت 7.57 مليارات دولار، وهو أعلى مستوى في تاريخه. وجاءت حقوق البث التلفزيوني في صدارة مصادر الدخل بإيرادات بلغت 3.43 مليارات دولار، أي ما يعادل 45.3% من إجمالي الإيرادات. كذلك حققت عقود التسويق والرعاية 1.8 مليار دولار، فيما بلغت إيرادات التذاكر والضيافة نحو 949 مليون دولار، إضافة إلى 769 مليون دولار من التراخيص التجارية و629 مليون دولار من مصادر أخرى.

وتكشف الخطط المالية للاتحاد الدولي أن مونديال 2026 قد يدفع هذه الأرقام إلى مستويات غير مسبوقة. فبحسب الميزانية المعدلة التي أقرها فيفا لدورة 2023 – 2026، يتوقع الاتحاد تحقيق إيرادات إجمالية تبلغ نحو 13 مليار دولار خلال الدورة الحالية، بزيادة تقارب 72% مقارنة بالدورة السابقة. ويعزى جزء كبير من هذه القفزة إلى النسخة الجديدة من كأس العالم التي تشهد مشاركة 48 منتخباً وإقامة 104 مباريات للمرة الأولى في تاريخ البطولة، ما يوسع قاعدة الجماهير والعوائد التجارية وحقوق البث والتسويق.

وتشير وثائق فيفا إلى أن في عام 2026 وحده سيولد نحو 8.9 مليارات دولار من الإيرادات، تتصدرها حقوق البث التلفزيوني بنحو 3.9 مليارات دولار، إضافة إلى ما يقارب 3 مليارات دولار من التذاكر والضيافة التجارية، فضلاً عن مليارات أخرى من عقود الرعاية والتسويق والحقوق التجارية. وتوضح هذه الأرقام طبيعة النموذج التجاري الذي تتبعه فيفا، إذ تستطيع المؤسسة تحقيق إيرادات ضخمة من الحدث ذاته عبر أسواق متعددة وقنوات متنوعة، فيما تبقى النفقات التشغيلية موزعة على عشرات المدن والهيئات الحكومية المختلفة. ويؤكد الاتحاد الدولي أن جزءاً مهماً من هذه الأموال يعاد استثماره في تطوير كرة القدم حول العالم عبر برنامج “فيفا فوروورد”، الذي وفر خلال دورة 2023 – 2026 تمويلاً يصل إلى 8 ملايين دولار لكل اتحاد وطني عضو. إلا أن منتقدين يرون أن ذلك لا يغير من حقيقة أن فيفا تظل المستفيد المالي الأكبر من البطولة.

المدن تدفع الثمن أولاً

 

وفي المقابل، تبدأ المدن المستضيفة في دفع الفاتورة قبل سنوات طويلة من انطلاق المباراة الافتتاحية. فاستضافة كأس العالم لا تقتصر على تجهيز الملاعب فقط، بل تشمل تطوير المطارات وشبكات النقل والطرق وأنظمة الأمن وخطط الطوارئ والخدمات العامة ومرافق الضيافة. كذلك تفرض البطولة أعباءً تشغيلية ضخمة خلال فترة المنافسات تتعلق بإدارة الحشود وحركة المرور والأمن والخدمات الصحية. وتشير “بريتانيكا” إلى أن المكاسب الاقتصادية التي تحققها المدن لا تأتي بالضرورة بصورة مباشرة أو فورية. فبينما تستفيد الفنادق والمطاعم والمتاجر من تدفق الجماهير، قد تجد بعض الأنشطة التجارية الأخرى نفسها متضررة بسبب القيود الأمنية أو إغلاق الطرق أو تغير أنماط الحركة داخل المدن. كذلك يواجه السكان المحليون عادة ارتفاعاً في الأسعار واكتظاظاً مرورياً وضغوطاً إضافية على الخدمات العامة، وهي تكاليف يصعب احتسابها ضمن الميزانيات الرسمية للبطولة.

 

وتقدم الولايات المتحدة مثالاً معقداً على التأثير الاقتصادي لكأس العالم. فقد استضافت البلاد نسخة 1994 التي جذبت أكثر من 3.5 ملايين متفرج، بمتوسط بلغ نحو 69 ألف مشجع للمباراة الواحدة، وأسهمت في تعزيز شعبية كرة القدم داخل الولايات المتحدة، ومهدت الطريق لإطلاق الدوري الأميركي للمحترفين عام 1996. غير أن دراسة أعدها الاقتصاديان الأميركيان، روبرت بادي وفيكتور ماثيسون، ونشرت عام 2004 تحت عنوان “السعي إلى الكأس: تقييم الأثر الاقتصادي لكأس العالم”، خلصت إلى أن المكاسب الاقتصادية الفعلية التي حققتها المدن الأميركية المستضيفة جاءت أقل بكثير من التوقعات التي سبقت البطولة. وقدرت الدراسة الفجوة بين العوائد الفعلية والتقديرات المعلنة قبل انطلاق المونديال بما يراوح بين 5.5 و9.3 مليارات دولار، مشيرة إلى أن العديد من التوقعات الاقتصادية السابقة بالغت في تقدير حجم الإنفاق الجديد الذي ستولده البطولة. وتؤكد نتائج الدراسة أن النجاح الجماهيري والتنظيمي لكأس العالم لا ينعكس بالضرورة في صورة عوائد اقتصادية مساوية لحجم الوعود والتقديرات التي تطرح قبل الاستضافة.

ورغم التفاؤل الذي يحيط بالبطولة، فإن تقديرات المؤسسات البحثية المستقلة تبدو أكثر تحفظاً من الأرقام التي تروج لها فيفا. فبحسب تحليل نشره بنك “ساكسو” في 26 مايو/ أيار 2026، ودراسة أعدتها مؤسسة أكسفورد إيكونوميكس قبيل انطلاق البطولة، قد يكون الأثر الاقتصادي الفعلي لمونديال 2026 أقل من التوقعات المعلنة. وتشير التقديرات إلى أن المكاسب الاقتصادية المتوقعة للولايات المتحدة، البالغة نحو 17 مليار دولار، تمثل أقل من 0.1% من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي، ما يجعل تأثير البطولة محدوداً على مستوى الاقتصاد الكلي رغم ضخامته من حيث القيمة المطلقة. كذلك رجحت الدراسة أن تتركز الفوائد الاقتصادية في قطاعات السياحة والفنادق والضيافة والترفيه داخل المدن المستضيفة، بينما ستكون معظم الوظائف التي يولدها الحدث مؤقتة بطبيعتها. وأشارت أكسفورد إيكونوميكس إلى أن النشاط السياحي المصاحب للمباريات قد يحل جزئياً محل أنشطة سياحية أخرى بدلاً من خلق قيمة اقتصادية جديدة بالكامل، وهو ما يدفع عدداً من الاقتصاديين إلى التعامل بحذر مع التقديرات المتفائلة التي تصاحب عادة البطولات الرياضية الكبرى.

الفيلة البيضاء

إذا كانت تجربة الولايات المتحدة قد أظهرت فجوة بين التوقعات والنتائج الفعلية، فإن البرازيل تمثل بالنسبة إلى كثير من الاقتصاديين المثال الأوضح على المخاطر المالية التي قد ترافق استضافة الأحداث الرياضية الكبرى. وبحسب بيانات رسمية، أنفقت البلاد نحو 11.5 مليار دولار استعداداً لاستضافة كأس العالم 2014، شملت إنشاء الملاعب وتحديثها وتطوير المطارات والموانئ وشبكات النقل ومشروعات الاتصالات والبنية السياحية، في وقت كانت فيه البلاد تواجه تباطؤاً اقتصادياً وتحديات مالية متزايدة. وتشير التقديرات إلى أن نحو 85% من هذه النفقات مُوِّلَت من المال العام، ما أثار موجة واسعة من الاحتجاجات والانتقادات الشعبية، خصوصاً مع تصاعد المطالب بتوجيه الموارد إلى قطاعات التعليم والصحة والخدمات الأساسية بدلاً من المشروعات المرتبطة بالبطولة. وبعد انتهاء المنافسات، واجهت السلطات تساؤلات متزايدة بشأن الجدوى الاقتصادية لبعض الاستثمارات التي أنجزت خصيصاً للمونديال، إذ تحولت بعض الملاعب إلى ما يعرف اقتصادياً بـ”الفيلة البيضاء”، وهي مشروعات ضخمة مرتفعة الكلفة تفتقر إلى الاستخدام الكافي أو العائد الاقتصادي الذي يبرر حجم الإنفاق عليها. ومنذ ذلك الحين، أصبح مونديال البرازيل واحداً من أبرز الأمثلة التي يستشهد بها الخبراء عند التحذير من المبالغة في تقدير العوائد طويلة الأجل للبطولات الرياضية الكبرى، وفق “بريتانيكا“.

ورغم هذه التجارب السابقة، يحمل كأس العالم 2026 خصائص مختلفة نسبياً عن النسخ الماضية. ويرى محللون أن توزيع البطولة على ثلاث دول يخفف من الأعباء المالية واللوجستية مقارنة بالتجارب السابقة، ويقلل الحاجة إلى بناء ملاعب ومنشآت جديدة، نظراً لاعتماد الدول الثلاث بصورة كبيرة على بنية تحتية رياضية قائمة بالفعل. إلا أن انخفاض الإنفاق الرأسمالي لا يعني غياب التكاليف. فالدول والمدن المستضيفة لا تزال مطالبة بتوفير مستويات استثنائية من الأمن والنقل والخدمات العامة وإدارة الحشود. وخصصت وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية الأميركية 625 مليون دولار لدعم الترتيبات الأمنية في المدن الأميركية المستضيفة، بينما ارتفعت تقديرات تكلفة الاستضافة في مدينة تورونتو الكندية إلى نحو 380 مليون دولار. كذلك شهدت بعض المدن المكسيكية ارتفاعات حادة في أسعار الفنادق والخدمات السياحية مع اقتراب موعد البطولة، وهو ما يعني أن أعباء الاستضافة لم تختف، بل تغيرت طبيعتها، إذ انتقلت من الإنفاق على تشييد المنشآت إلى الإنفاق على الأمن والخدمات اللوجستية والتشغيلية المرتبطة بإدارة حدث عالمي بهذا الحجم.

من يربح فعلاً من كأس العالم؟

وبحسب “بريتانيكا”، فإن التاريخ الاقتصادي لبطولات كأس العالم لا يقدم إجابة حاسمة بشأن المستفيد الأكبر من الاستضافة، إذ تختلف النتائج من دولة إلى أخرى ومن مدينة إلى أخرى تبعاً لطبيعة الاقتصاد المحلي وقدرته على تحويل الزخم الذي تخلقه البطولة إلى مكاسب طويلة الأجل. وأشارت إلى أن بعض المدن نجحت في استثمار الحدث لتعزيز مكانتها السياحية وجذب الاستثمارات وتطوير البنية التحتية، بينما انتهت تجارب أخرى إلى مشروعات مرتفعة الكلفة لم تحقق العوائد المأمولة وتحولت إلى أعباء مالية استمرت لسنوات بعد انتهاء المنافسات. ولفتت إلى أن فيفا يظل الطرف الأكثر قدرة على تحقيق عوائد مالية مباشرة ومستقرة من البطولة، بفضل سيطرته على حقوق البث التلفزيوني والرعاية والتسويق والتذاكر والضيافة التجارية، فيما تتحمل الحكومات والسلطات المحلية الجزء الأكبر من تكاليف الأمن والنقل والخدمات العامة والبنية التحتية.

وخلصت “بريتانيكا” إلى أن الحكم على نجاح البطولة اقتصادياً لا يمكن أن يتم عند إطلاق صافرة النهاية أو تتويج البطل، بل بعد سنوات من انتهاء الحدث، عندما تتضح قدرة المدن والدول المستضيفة على تحويل الاستثمارات التي ضختها إلى منافع اقتصادية وسياحية مستدامة. ويبقى السؤال مطروحاً مع انطلاق نسخة 2026: هل ستنجح المدن المستضيفة في تحويل كأس العالم إلى فرصة تنموية طويلة الأجل، أم سيظل الاتحاد الدولي لكرة القدم المستفيد المالي الأكبر من الحدث العالمي؟

Exit mobile version