الأخبار

غزة بلا حجاج للعام الثالث.. الإبادة تجمد حلم الحج لآلاف الفلسطينيين

By Beesan Kharoof

May 24, 2026

يتوافد ملايين المسلمين إلى مكة لأداء مناسك الحج، قادمين من كل بقاع الأرض باستثناء قطاع غزة. فللعام الثالث على التوالي يُحرم آلاف الفلسطينيين في القطاع من حقهم في العبادة، بسبب الحصار وإغلاق المعابر ضمن الإبادة الجماعية المستمرة، ليراقب من استطاع منهم المناسك عبر شاشات الهواتف، أو التلفاز، إن توفر.

فاطمة أبو معروف، تجاوزت السبعين من عمرها وما زالت تحلم بزيارة البقاع المقدسة وأداء الركن الخامس من الإسلام قبل أن توافيها المنيّة، فمن قبل لم تمنحها القرعة فرصة الحج، والآن، يحرمها الاحتلال من حقها.

 

تقول فاطمة: “منذ أكثر من عشرين عامًا وأنا أجمع قرشًا فوق قرش لأداء الحج، وبعتُ ما أملك من ذهب لأجل رحلة العمر، واليوم لا ذهب بقي، ولا حج، ولا حتى بيت نعود إليه، فالحرب دمرت كل شيء”.

 

عندما اندلعت الحرب كانت حقيبة فاطمة وثيابها التي ستحج بها جاهزة فوق خزانة في منزلها، واليوم تخشى أن يأتيها الموت قبل أن يتحقق حلمها، خصوصًا في بقعة تنتشر فيها أسباب الموت أكثر من أسباب الحياة.

 

تقول: “لا أطلب الكثير، أريد فقط أن أُلبّي وأبكي عند الكعبة.

العالم كله يسافر ويتنقل، إلا نحن في غزة، حتى العبادة أصبحت تحتاج إذنًا من الاحتلال. ومع ذلك، ما زلنا نردد: لبيك اللهم لبيك، لعل الله يكتبها لنا قبل أن نموت”.

 

وتضيف فاطمة: “الحرب لم تهدم البيوت فقط، بل هدمت أرواح الناس أيضًا”، مشيرة إلى أنها كانت دائمًا تدعو الله أن لا يقبض روحها قبل أن ترى الكعبة، أما اليوم فبات دعاؤها الأول أن يتوقف القتل والقصف وتنتهي الحرب.

 

ووفق نظام حصص الحج المعتمد من قبل السعودية، تحصل الدول على نحو ألف فرصة حج لكل مليون نسمة، ما يمنح فلسطين أكثر من 6000 فرصة سنويًا، منها نحو 2500 لقطاع غزة، لكن هذه الحصة توقفت منذ الحرب.

 

من جانبه، رسمي جابر (68 عامًا) قضى سنوات من عمره منتظرًا ظهور اسمه في قرعة الحج، وقد تحقق حلمه في آخر مرة أجريت فيها قرعة الحج لغزة عام 2024، وقد أتمّ الاستعدادات اللازمة للرحلة، إلا أن اندلاع الحرب أوقف كل ذلك.

 

يقول رسمي: “كان لدي ملف كامل، جواز سفر، وصور، وأوراق طبية، وحقيبة سفر اشتريتها خصيصًا، وكنت أتفقدها بين حين وآخر للتأكد أن لا شيء ناقص، وأقول لم يبق إلا القليل، لكنني فقدت كل ذلك بعد أن قصف منزلي ودمر بالكامل”.

 

وطوال سنوات انتظار القرعة كان السؤال الثابت في ذهن رسمي: “متى سيكون الحج؟”. أما اليوم، فظهر سؤال “أشد قسوة” كما يقول، وهو “هل سنبقى أحياء أصلاً حتى يأتي دورنا؟”.

 

يضيف: “لا أطلب الكثير، أريد فقط أن أقف في عرفة وأدعو الله، لكن كل عام يمر أشعر أن العمر يسبقني خطوة”.

 

ويشير رسمي إلى أن كثيرًا من رفاق الانتظار رحلوا خلال أعوام الإبادة الجماعية دون أن يتحقق حلمهم، مضيفًا: “كان معي أصدقاء وأقارب في قائمة الحج، واليوم رحمهم الله، ماتوا ولم يحجوا، وهذا أكثر ما يؤلم”.

 

هكذا لم تعد المسألة بالنسبة لرسمي مجرد رحلة مؤجلة، بل خسارة متكررة للأمل، فيقول: “المشكلة ليست أننا لم نذهب، بل أننا كنا نعيش الأمل كل عام ثم ينكسر فجأة، حتى أن الحديث عن ترتيبات الحج في غزة انتهت كأنه لا حج على الإطلاق”.

 

وبيّن أنه مع النزوح والدمار وضغوط الحياة اليومية، تتراجع الأولويات إلى حدود البقاء، مثل تأمين الخبز والماء، “لكن حلم أداء مناسك الحج لا يموت، بل يؤجل فقط” وفق قوله.

يقول المدير العام للحج والعمرة في وزارة الأوقاف بغزة، رامي أبو ستيتة، إن حصة فلسطين من الحج، وفقًا للبروتوكول الموقع مع السعودية، تبلغ 6600 حاج وحاجة، تحصل غزة منها على 38 بالمئة، أي 2508 حجاج، ما يعني أن أكثر من 7500 فلسطيني كان يفترض أن يتوجهوا لأداء مناسك الحج في الأعوام الثلاثة الأخيرة، لكنهم حرموا من هذا الحق.

 

وبيّن أبو ستيتة أن 2473 فلسطينيًا من غزة اجتازوا قرعة الحج منذ عام 2023 وينتظرون السفر، فارق الحياة 71 منهم، بسبب قصف إسرائيلي أو وفاة طبيعية، قبل أن يتمكنوا من أداء الفريضة، بينما لا يزال 2402 محرومين من السفر حتى اليوم.

 

وأشار إلى أن الأشخاص الذين ظهرت أسماؤهم في قرعة الحج يراجعون الوزارة باستمرار للتأكد من أن أسماءهم ما زالت مثبتة، وأن حقهم في الحج ما زال قائمًا عندما تسمح الظروف.

 

وأكد أبو ستيتة أن وزارة الأوقاف أجرت اتصالات مع جهات محلية ودولية لتمكين حجاج غزة من السفر، إلا أن كل الجهود تصطدم بإغلاق إسرائيل معبر رفح ومنع السفر بالكامل.

 

ويغلق الاحتلال معبر رفح، المنفذ الوحيد للفلسطينيين في غزة، منذ احتلال المدينة في شهر أيار/مايو 2024.

وحتى بعد اتفاق وقف إطلاق النار، وإعادة فتح المعبر في شهر شباط/فبراير 2026، ما يزال السفر ممنوعًا إلا لأعداد محدودة من المرضى والجرحى ومرافقيهم، خلافًا لما نص عليه الاتفاق.

 

وقبل الإبادة الجماعية، كان حجاج غزة يؤدون فريضة الحج سنويًا برغم قيود الحصار، إذ كانوا يغادرون عبر معبر رفح البري إلى مصر، ثم يتوجهون بحافلات إلى مطار القاهرة الدولي، قبل السفر جوًا إلى السعودية لأداء المناسك في مكة المكرمة والمدينة المنورة.

 

وتولت وزارة الأوقاف، بالتنسيق مع الجهات المصرية والسعودية وشركات الحج والعمرة، تنظيم الترتيبات اللوجستية والأمنية لرحلات الحجاج.

 

وتعرض نحو 90% من مكاتب وشركات الحج والعمرة في غزة –وعددها 78 شركة– للتدمير الكامل أو الجزئي جراء الإبادة الجماعية.

 

وكانت وزارة الأوقاف أعلنت، في 3 آذار/مارس الماضي، تحويل ما تبقى من حصة حجاج غزة إلى محافظات الضفة الغربية والقدس، كإجراء استثنائي ومؤقت للعام الجاري.

المصدر: الترا فلسطين