الأخبار

غزة: الغلاء يطحن الناجين من الحرب… راتب ألف دولار لم يعد يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية

لم يعد السؤال المرتبط بالحياة اليومية في قطاع غزة يدور حول تحسين مستوى المعيشة أو تأمين رفاهية الأسرة، بل أصبح أكثر بساطة وقسوة في آن واحد: كم تحتاج العائلة يومياً لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتها الأساسية؟ فبينما تتسع رقعة الفقر والبطالة، تواصل الأسعار ارتفاعها بوتيرة غير مسبوقة، في ظل أزمة إنسانية ومعيشية خانقة تُلقي بظلالها على أكثر من مليونَي فلسطيني يعيشون في القطاع المحاصر.

ويقول اقتصاديون إنّ الغلاء الفاحش الذي تشهده الأسواق لا يرتبط بندرة السلع أو ضعف القدرة الشرائية فحسب، بل يعود بصورة أساسية إلى السياسات الإسرائيلية المتعلقة بإدارة دخول البضائع إلى القطاع، إذ يجري حصر الاستيراد بعدد محدود من التجار الموردين، إلى جانب فرض رسوم مرتفعة على الشاحنات التجارية تصل في بعض الحالات إلى أكثر من 200 ألف شيكل (نحو 68.9 ألف دولار) للشاحنة الواحدة، ما ينعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع داخل الأسواق.

 

قيود على المعابر

كما تسمح إسرائيل، في أفضل الحالات، بدخول نحو 200 شاحنة يومياً فقط، رغم أن البروتوكول الإغاثي ينصّ على إدخال 600 شاحنة يومياً، بينما تحتاج غزة فعلياً إلى ما يقارب ألف شاحنة يومياً لتلبية الحد الأدنى من احتياجات السكان. وفي المقابل، تستمر القيود على إدخال المواد الخام والعديد من الأصناف الغذائية ذات القيمة المرتفعة، في وقت تُغرق فيه الأسواق ببضائع تجارية منخفضة الجودة أو القيمة الغذائية، الأمر الذي يبقي أسعار السلع الأساسية عند مستويات مرتفعة للغاية.

ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه السكان من انهيار اقتصادي غير مسبوق، مع تجاوز معدلات البطالة حاجز 80%، وارتفاع نسب الفقر إلى أكثر من 90%، وسط تراجع حاد في الدخول وانعدام مصادر الرزق لدى عشرات آلاف العائلات.

 

وخلال فترات الإغلاق الكامل وتشديد الحصار ومنع دخول البضائع والمساعدات عبر المعابر، شهدت الأسواق ارتفاعات غير مسبوقة في أسعار المواد الغذائية، إذ تجاوزت نسبة الزيادة في بعض الأصناف الأساسية كالسكر والطحين الـ800% خلال مراحل معينة.

ومع بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار وعودة دخول جزء من الإمدادات في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، سجلت الأسعار تراجعاً نسبياً، إلّا أنها ما تزال تفوق مستويات ما قبل الحرب بأكثر من الضعف.

 

تكاليف باهظة

بدوره، يقول الفلسطيني ربيع عزيز، وهو أب لسبعة أفراد من مخيّم النصيرات وسط قطاع غزة، إنّ الحياة اليومية تحولت إلى سلسلة متواصلة من محاولات البقاء، موضحاً أن أبسط الاحتياجات باتت تستنزف دخله المحدود. ويضيف عزيز لـ”العربي الجديد”: “حتّى الأشياء البديهية التي لا يمكن الاستغناء عنها أصبحت عبئاً يومياً، فنحن ندفع أربعة شواكل (نحو 1.38 دولار) يومياً فقط لشحن الهواتف وستة شواكل (نحو 2.07 دولار) لتعبئة المياه الحلوة إلى جانب شراء الحطب الذي يبلغ سعر الكيلو الواحد منه سبعة شواكل (نحو 2.41 دولار)، بينما نحتاج يومياً إلى نحو كيلوغرامين”. ويشير إلى أن إغلاق التكية التي كانت تقدم الطعام في منطقته ضاعف من معاناته، إذ بات مضطراً لتأمين الطعام لعائلته يومياً من السوق، ويقول: “تكلفة شراء حاجيات الطبخ اليومية تتراوح ما بين 30 إلى 40 شيكلاً (نحو 10.3 إلى 13.8 دولاراً)، وفي حال أردنا شراء اللحوم نحتاج إلى 60 شيكلاً (نحو 20.7 دولاراً) على الأقل، لأنّ كيلو اللحمة يصل إلى 40 شيكلاً (13.8 دولاراً)، ونحن نحتاج إلى كيلو ونصف تقريباً”.

 

وبحسب الحسبة اليومية التي يوردها عزيز، فإنّ الحد الأدنى من المصاريف اليومية الثابتة تفوق الـ70 شيكلاً (نحو 24.1 دولاراً) دون شراء اللحوم، بينما ترتفع التكلفة إلى أكثر من 100 شيكل (نحو 34.5 دولاراً) في الأيام التي يتمكّن فيها من شراء اللحوم. وتشمل هذه المصاريف شحن الهواتف والمياه والحطب والطعام والمواصلات وبعض الحاجيات الطارئة للأطفال والأدوية التي تتجاوز يومياً 20 شيكلاً (نحو 6.9 دولارات).

أما شهرياً، فتقدّر نفقات العائلة بأكثر من ألفَي شيكل (نحو 689 دولاراً) كحد أدنى، وقد تتجاوز ثلاثة آلاف شيكل (نحو 1034 دولاراً) عند شراء اللحوم والفواكه أو مواجهة ظروف طارئة إضافية. ويلفت عزيز إلى أنّ هذه التكاليف تفوق قدرته المالية بكثير، رغم عمله ميكانيكي سيارات بأجر يومي يبلغ 50 شيكلاً فقط (نحو 17.2 دولار)، ويؤكد أن هذا الدخل لا يكفي لتغطية مصاريف يوم واحد، لذلك يضطر للاستدانة أو انتظار المساعدات التي قد تتأخر كثيراً، وأحياناً يقايض بعض السلع التي يحصل عليها لتأمين احتياجات أخرى أكثر أهمية.

 

 

وفي شمال غزة، تعيش الفلسطينية نور خليل ظروفاً أكثر قسوة بعد فقدان زوجها وطفلها خلال الحرب، لتجد نفسها مسؤولة وحدها عن إعالة طفلين داخل خيمة غرب مخيّم جباليا، دون أي مصدر دخل ثابت. وتقول خليل لـ”العربي الجديد” إن التكية أصبحت المصدر الوحيد للطعام بالنسبة لها، لكنها لا توفر الاحتياجات على نحوٍ دائم، وتضيف: “في بعض الأيام لا تكون هناك تكية أساساً ونواجه صعوبة حقيقية في تأمين الطعام، حتى عندما نحصل على وجبة نضطر لشراء أشياء أخرى من السوق لأن الطعام لا يكون كافياً”.

وتوضح أنّ هناك تكاليف يومية لا يمكن الاستغناء عنها رغم انعدام الدخل، مثل شحن الهاتف الذي يكلفها شيكلَين يومياً (نحو 0.69 دولار)، وشراء حاجيات بسيطة للأطفال تتراوح بين خمسة وستة شواكل (نحو 1.72 إلى 2.07 دولار)، إضافة إلى المواصلات التي تبدأ من خمسة شواكل (نحو 1.72 دولار) على الأقل، إلى جانب شراء الخبز يومياً بنحو ثلاثة شواكل (نحو 1.03 دولار) بعد ساعات طويلة من الانتظار على الطوابير.

 

وتضيف خليل: “هناك دائماً مصاريف طارئة لا يمكن تجنبها سواء أدوية أو احتياجات للأطفال أو أي أمر مفاجئ، المشكلة أننا لا نملك أي دخل ونعيش على المساعدات والمعونات فحسب، وحتى الذهاب إلى السوق أصبح أمراً صعباً لأنّ أسعار الخضروات والفواكه واللحوم فلكية ولا نستطيع شراءها”.

وتتزامن هذه الارتفاعات مع تدهور حاد في مستوى دخل الأفراد بقطاع غزة، إذ انخفض متوسط نصيب الفرد السنوي إلى نحو 161 دولاراً خلال عام 2024، بعدما كان يقارب 1250 دولاراً في عام 2022، بحسب تقرير صادر عن الأمم المتحدة أواخر عام 2025.

 

انخفاض الدخل

أما الفلسطيني سعيد فايد، الذي يعمل في مؤسّسة دولية ويتلقى راتباً شهرياً بقيمة ألف دولار، فيقول إن الأزمة الحالية لا تتعلق بارتفاع الأسعار فحسب، بل أيضاً بانخفاض قيمة الدولار مقابل الشيكل، ما أفقد الرواتب قيمتها الفعلية داخل الأسواق. ويضيف فايد لـ”العربي الجديد”: “نتلقى ضربة مزدوجة، فالدولار الذي كان يساوي سابقاً أكثر من 3.7 شواكل انخفض حالياً إلى نحو 2.9 شيكل، وفي المقابل ارتفعت أسعار السلع على نحوٍ جنوني، وبالتالي أصبحت القوة الشرائية للراتب أضعف بكثير”. ويلفت إلى أنّه قبل الحرب، كان هذا الراتب يكفي لشراء جميع احتياجات البيت مع إمكانية ادّخار جزء منه، أما اليوم فبالكاد يغطي المصاريف الأساسية، رغم عدم شراء كل ما يحتاجه.

 

ويشير فايد إلى أنّ الأسعار الحالية تفوق قدرة معظم العائلات، موضحاً أن كرتونة البيض تباع بنحو 40 شيكلاً (نحو 13.8 دولاراً) وكيلو البندورة بـ15 شيكلاً (نحو 5.17 دولارات) والخيار بـ16 شيكلاً (نحو 5.52 دولارات) والبطاطا بـ10 شواكل (نحو 3.45 دولارات)، بينما أصبحت الفواكه من السلع شبه الغائبة عن موائد السكان، إذ تتراوح أسعارها ما بين 15 و40 شيكلاً (نحو 5.17 إلى 13.8 دولاراً) للكيلوغرام الواحد. ويؤكد اقتصاديون أن استمرار القيود على دخول السلع والمواد الخام إلى جانب ضعف تدفق المساعدات وارتفاع تكاليف النقل والاستيراد، سيُبقي الأسعار عند مستويات مرتفعة، ما يفاقم الأزمة الإنسانية والمعيشية في قطاع غزة ويجعل تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الشهرية مهمة شبه مستحيلة بالنسبة لآلاف العائلات.

زر الذهاب إلى الأعلى
تلفزيون المدينة

مجانى
عرض