
تشهد السوق الفلسطينية منذ أكثر من عام ونصف تحولاً غير مألوف في أنماط التعامل المالي، بعدما بدأت أزمة فائض الشيكل داخل الجهاز المصرفي تنعكس مباشرة على حياة التجار والمواطنين.
فالبنوك التي كانت المحطة الطبيعية لإدارة السيولة والشيكات والتحويلات، باتت تفرض قيوداً على الإيداعات النقدية وإصدار دفاتر الشيكات وشراء العملات الأجنبية، فيما اتجهت شريحة متزايدة من المتعاملين إلى شركات الصرافة والسوق النقدية الموازية لتسيير أعمالها اليومية.
في الظاهر، تبدو الأزمة مصرفية بحتة: بنوك تقلص استقبال النقد، تجار لا يستطيعون تغطية شيكاتهم رغم امتلاكهم الأموال، شركات صرافة تشهد طلباً متزايداً، وفجوة آخذة بالاتساع بين أسعار العملات داخل البنوك وأسعارها في السوق.
غير أن الصورة الأعمق تكشف عن دورة اقتصادية معقدة يدخل فيها الشيكل إلى الضفة الغربية من أبواب متعددة، أبرزها أجور العمال الفلسطينيين في إسرائيل، وإنفاق فلسطينيي الداخل في أسواق الضفة، والتجارة مع إسرائيل، وشراء العقارات، والتداولات النقدية في قطاعات المحروقات والأغذية والخضار والمطاعم ومواد البناء.
وتكمن المشكلة الجوهرية في أن البنوك الفلسطينية تتعامل بعملة لا تملك سلطة إصدارها أو التحكم بمخارجها. فهي لا تستطيع امتصاص فائض الشيكل أو شحنه إلى بنك إسرائيل إلا وفق سقوف يحددها الجانب الإسرائيلي، وعبر قنوات مصرفية إسرائيلية محدودة.
وبذلك يتحول النقد، الذي يفترض أن يكون أداة تداول، إلى عبء داخل الخزائن، وتتحول السيولة المتراكمة إلى أزمة تعطل بعض وظائف الجهاز المصرفي والسوق معاً.
ويعمل في فلسطين 13 بنكاً محلياً ووافداً، تدير شبكة واسعة من الفروع والحسابات والودائع والتسهيلات.
وبحسب بيانات القطاع المصرفي، تتجاوز موجودات البنوك العاملة في فلسطين 26 مليار دولار، فيما تقترب ودائع العملاء من 22 مليار دولار، وهو ما يجعل الجهاز المصرفي أحد أهم أعمدة الاقتصاد الفلسطيني، ويجعل أي قيود على الإيداع أو الشيكات أو التحويلات ذات أثر مباشر على حركة التجارة والاستهلاك وثقة المتعاملين.
وكانت سلطة النقد الفلسطينية قد أقرت في تقرير الاستقرار المالي بأن القيود المفروضة على شحن فائض الشيكل بدأت تؤثر في قدرة البنوك على أداء بعض وظائفها التقليدية المتعلقة بإدارة السيولة وتمويل التجارة، رغم استمرار متانة مؤشرات رأس المال والسيولة في الجهاز المصرفي.
وتعزو البنوك هذه الإجراءات إلى استمرار أزمة فائض الشيكل داخل الجهاز المصرفي الفلسطيني، نتيجة رفض البنوك الإسرائيلية استقبال فائض النقد المتراكم بالمستوى الذي تحتاجه السوق الفلسطينية، الأمر الذي أدى إلى تضخم الكتلة النقدية بالشيكل وارتفاع كلفة الاحتفاظ بها. غير أن التجار والمتعاملين يرون أن نقل عبء الأزمة إلى السوق عبر تقليص الإيداعات والشيكات لا يحل المشكلة، بل يدفع جزءاً من النشاط التجاري إلى النقد وشركات الصرافة والسوق الموازية.
ويشرح الخبير المالي الدكتور محمود جمال شوخة دكتوراه في المحاسبة والتمويل أن جوهر الأزمة لا يتمثل في نقص الشيكل أو تراجع قيمته، بل في تكدس النقد الورقي داخل خزائن البنوك دون القدرة على تحويله إلى أرصدة مصرفية إلكترونية قابلة للاستخدام في تمويل التجارة والتحويلات وتسوية المدفوعات.
