Site icon تلفزيون المدينة

على طرقات غزة .. النساء يدفعن ثمن المواصلات المتهالكة

لم أكن أتوقع أن تتحول رحلة اعتيادية من جنوب قطاع غزة إلى شماله إلى مشهد سيبقى عالقًا في ذاكرتي حتى اليوم. كنت أستقل سيارة أجرة تسير ببطء على شارع الرشيد، وسط عشرات المركبات المتهالكة والعربات البدائية التي أصبحت الوسيلة الوحيدة للتنقل بعد انهيار قطاع المواصلات في غزة وشح الوقود.

تروي سيدة ما حصل في إحدى التنقلات: مرت أمامنا سيارة قديمة تجر خلفها عربة مكتظة بالركاب، بينما كانت حقيبة السيارة الخلفية مفتوحة، وقد جلس فيها عدد من الأشخاص، من بينهم طفل في العاشرة من عمره، بعدما امتلأت المقاعد بالكامل. وفي طريق العودة، غلب النعاس الطفل الصغير، فسقط على الطريق في لحظة خاطفة، لتدهسه العربة المربوطة خلف السيارة، فيما لم ينتبه السائق إلى ما حدث إلا بعد صرخات الركاب.

ظلّ المشهد يلاحقني طويلًا. كيف لأمه، التي اصطحبته معها، أن تعود به جثة هامدة؟ وجعلني ذلك أتساءل عن حجم المخاطر التي تواجهها النساء وأطفالهن في كل رحلة داخل غزة؛ فالمواصلات لم تعد وسيلة للوصول، بل رحلة قد تنتهي بإصابة أو فقد أو عجز يمتد أثره إلى حياة الأسرة بأكملها.

وبحسب تقديرات الأمم المتحدة، فإن أكثر من 84 ألف مركبة في غزة دُمرت بالكامل، فيما تعرضت 77% من الطرق للتدمير أو الضرر الجزئي. كما أدّى شح الوقود وتوقف خدمات النقل العام إلى تقييد حركة السكان بين المحافظات، وارتفاع أجور المواصلات، واضطرار كثيرين إلى سلوك طرق وعرة واستخدام وسائل نقل بدائية تفتقر إلى الحد الأدنى من الأمان.

خوف مضاعف على الأم وجنينها

تروي السيدة الحامل إنعام العزازي، لـ”الترا فلسطين”، كيف تحولت رحلة التنقل إلى مصدر خوف دائم على جسدها وجنينها، فتقول: “بسبب شح المواصلات، لم أجد سوى عربة يجرها حمار”.

في الطريق ضاق الشارع بعربتين، ولم ينتظر أي من السائقين مرور الآخر، فاصطدمت بنا العربة بقوة، وكانت الضربة مباشرة في ركبتي. بقيت أسبوعًا كاملًا عاجزة عن الوقوف، وكان خوفي الأكبر أن يكون الارتطام قد أصاب حملي بسوء”.

غير أن ما رأته العزازي في رحلات أخرى كان أشد قسوة. وتتابع: “كانت هناك امرأة حامل في أشهرها الأخيرة تستقل عربة يجرها حصان. كان الطريق مليئًا بالحفر، وكانت العربة تسير بسرعة، وفجأة سقطت المرأة من مؤخرة العربة على بطنها”.

وتضيف: “خلال لحظات امتلأ المكان بالدماء، وبدأ الجميع يصرخ. فقدت جنينها، ولم ينتبه السائق إلى ما حدث إلا بعد صرخات الركاب”.

وتؤكد العزازي أن النساء يركبن هذه العربات وهن يعرفن حجم الخطر، غير أن غياب البدائل يدفعهن إلى استخدام وسائل نقل لا توفر الحد الأدنى من الأمان، فتتحول الرحلة إلى تهديد مفتوح بالإصابة أو فقدان الجنين.

الإصابة لا تنتهي عند الطريق

أما نسرين صيام، فتؤكد أن آثار الرحلة الخطرة لا تتوقف عند لحظة السقوط، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية داخل المنزل.

كانت في طريقها من جنوب القطاع إلى شماله، واضطرت إلى ركوب “تكتك” مكتظ بالركاب والأغراض، وهي تحمل طفلها بين ذراعيها طوال الطريق.

تقول صيام: “منذ بداية الرحلة كنت أشعر أنني سأقع. أخبرت السائق أنني غير مرتاحة، لكنه لم يدرك أن المشكلة تكمن في ضيق المساحة التي نكتظ فيها نحن والأغراض. وعند مرور المركبة فوق أحد المطبات قرب مفترق النويري وسط القطاع، فقدت توازني وسقطت خارج المركبة”.

وتروي لـ”ألترا فلسطين”: “أول ما فكرت به كان حماية طفلي. ضممته بكلتا يدي حتى لا يرتطم بالأرض، بينما تلقيت أنا السقوط كاملًا، وأصبت بكسر في ساقي وجروح في كلتا يدي”.

لم تتوقف المعاناة عند الإصابة، إذ بقيت صيام أسبوعين غير قادرة على الوقوف أو الحركة.

وتضيف: “في غزة، لا تملك المرأة ترف الراحة حين تمرض، لأن البيت يعتمد عليها في كل شيء. تولت بناتي إعداد الطعام والعجين وترتيب المكان، لكنني كنت أشعر بالعجز لأنني لم أستطع القيام بواجباتي تجاه أسرتي”.

ثلاث ساعات من الخوف

وتستعيد اعتماد الطرشاوي تجربة أخرى لا تقل قسوة، حين كانت في طريقها من شمال القطاع إلى جنوبه لزيارة أقاربها، واضطرت إلى ركوب عربة تجرها سيارة برفقة حفيدتها الصغيرة، ذات الأربع سنوات.

تقول الطرشاوي: “كنا نجلس فوق لوح خشبي ضيق، وخلف ظهورنا ماسورة حديد، بينما كانت الطرق مدمرة بالكامل. لم أشعر أننا نسير على شارع، بل كنا نعبر فوق الركام”.

استغرقت الرحلة نحو ثلاث ساعات، تحولت خلالها الجدة إلى حزام أمان بشري لحفيدتها.

وتروي الطرشاوي، لـ”الترا فلسطين”: “غلب النوم حفيدتي، فبقيت أحملها طوال الطريق خوفًا من سقوطها، وفي الوقت نفسه كنت أحاول الحفاظ على توازني داخل العربة. كان خوفي عليها أكبر من خوفي على نفسي”.

وفي اليوم التالي، ظهرت آثار الرحلة على جسدها. تقول: “استيقظت وأنا أعاني من آلام شديدة في ظهري، ووجدت كدمات في أماكن مختلفة من جسمي. احتجت عدة أيام حتى استطعت العودة إلى ممارسة حياتي”.

وتؤكد الطرشاوي أن النساء، وخاصة كبيرات السن، يدفعن ثمنًا مضاعفًا في كل رحلة؛ إذ يواجهن الطرق المدمرة ووسائل النقل غير الآمنة بأجساد أنهكها العمر والحرب، بينما يحملن فوق خوفهن على أنفسهن خوفًا أكبر على الأطفال الذين يرافقونهن.

أزمة تمتد إلى داخل المنزل

لا تنتهي معاناة النساء عند حدود الطريق، بل تمتد إلى داخل البيت، حيث تتحول الإصابة إلى عجز يومي يثقل حياة الأسرة كلها. فالكسر أو الجرح لا يعني ألمًا جسديًا عابرًا، وإنما يعني يدًا عاجزة عن إعداد الطعام، وجسدًا غير قادر على تعبئة المياه، وقدمًا لا تقوى على الوقوف في طوابير المساعدات، وأمًا تحاول رعاية أطفالها وهي تحتاج إلى من يرعاها.

ومع استمرار شحّ المواصلات وارتفاع أجورها، تجد كثير من النساء أنفسهن مضطرات إلى تأجيل زيارة الطبيب، أو قطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام، أو ركوب وسائل نقل بدائية لا توفر الحد الأدنى من الأمان. وهكذا تتحول الرحلة البسيطة إلى مخاطرة يومية ضمن معركة البقاء.

في غزة، لم يعد السؤال كيف تصل المرأة إلى وجهتها، بل إن كانت ستعود منها سالمة؛ فكل رحلة تبدأ بحثًا عن احتياج أساسي، قد تنتهي بإصابة تغيّر حياة أسرة كاملة.

Exit mobile version