يحاول نحو 200 طفل انتزاع حقهم في التعلم من داخل خيام بلاستيكية بدائية في خان يونس، تقع على بعد 800 متر فقط من “الخط الأصفر”.
حيث لا تتوقف أصوات الرصاص وأزيز الطائرات، أقيمت على الركام مدرسة مؤقتة أُطلق عليها “المستقبل المشرق”، في محاولة لإنقاذ مستقبل عشرات الأطفال بعد عامين ونصف من الإبادة الجماعية.
ورغم انقطاعها القسري عن الدراسة لأكثر من عامين، تُصر الطالبة رفيف أبو شقرة (14 عامًا) على استعادة مقعدها الدراسي، حتى وإن لم يعد شبيهًا بما كان عليه في السابق، فتقول: “صحيح أننا نجلس على الأرض بلا كراسي ولا طاولات ولا صفوف زي قبل، بس الحمد لله رجعنا، رغم خوفنا الكبير، لازم ندرس وننجح.”
تسكن رفيف قرب “الخط الأصفر”، وتسير يوميًا نحو خيمتها المدرسية على وقع إطلاق النار، وقد سبق أن أُصيبت في رأسها قبل عام، وأمضت أيامًا في المستشفى، لكنها، رغم ذلك، لم تتراجع عن إصرارها على العودة.
وتضيف: “أحيانًا أصوات الانفجارات بتخوفنا، بس بحاول أركز على الدراسة، وبفكر لما أكبر أصير صحفية وأساعد الناس وأنقل معاناتهم، ومهما صار مش رح أوقف عن التعليم”.
وبموجب اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 11 تشرين الأول/أكتوبر 2025، فإن “الخط الأصفر” يفصل بين المناطق الخاضعة لسيطرة جيش الاحتلال من جهة وسيطرة حركة حماس من جهة أخرى، ويضع نحو 57% من إجمالي مساحة قطاع غزة تحت سيطرة الاحتلال.
وتعد المنطقة في محيط “الخط الأصفر” الأخطر في قطاع غزة، حيث يكرر جيش الاحتلال بشكل يومي عمليات إطلاق النار والقصف على كل جسم متحرك هنا، ضمن خروقات أوسع تشمل قطاع غزة بأكمله، وقد أدت حتى تاريخ 6 نيسان/أبريل 2026 إلى استشهاد 716 شخصًا، بحسب معطيات وزارة الصحة في غزة.
أسئلة صعبة
زاد الشتاء قسوة التعليم داخل هذه الخيام، إذ أمضى الطلاب شهوره على الأرض، بينما كانت الأمطار تتسرّب من سقوفها، والبرد يكاد يجمّد أطرافهم، دون أن يجدوا طبقات كافية من الملابس. كانوا يحاولون حماية دفاترهم بأغطية بلاستيكية، فيما ترتجف أصابعهم وهم يمسكون بالأقلام.
في هذه الظروف، يصبح التعليم لمئات الأطفال فعل مقاومة، والجلوس في الصف مجازفة يومية بالحياة، ومعركة يعيشونها بين الرعب والرغبة في التعلم.
وخلف كل طفل يجلس في تلك الخيام، عائلة تعيش قلقًا لا ينقطع، تترقب عودة طفلها أو طفلتها من بيئة تعليمية لا تقل خطرًا عن خطوط المواجهة. الأم ميسون عبد الحي تعيش حالة قلق متكررة تلازمها منذ خروج طفلها ( 12 عامًا) صباح كل يوم إلى خيام الدراسة القريبة من مناطق التماس، ولا تنتهي إلا بعودته سالمًا.
تقول ميسون: “كل يوم بطلع أحمد وأنا حاطة إيدي على قلبي. إطلاق النار ما بوقف، والخطر حاضر بكل لحظة”، وفي هذه الظروف تجد نفسها كل صباح أمام السؤال الصعب: “هل أرسل طفلي إلى المدرسة اليوم أم أحميه بالبقاء في المنزل؟”. وفي النهاية تقرر إرساله تحت تأثير سؤال آخر: “بدون تعليم شو رح يصير في مستقبله؟”.
وتشير ميسون إلى إصابة العديد من الأطفال في محيط مدارس الخيام، مؤكدة أن هذه الأحداث تزيد من خوفهم، “لكن في نفس الوقت ما بنقدر نحرمهم من التعليم” وفق تعبيرها.
وتضيف: “الأطفال كبروا قبل أوانهم. أحمد كل يوم بحكيلي عن الخوف اللي بشوفه، بس برجع بقول: بدي أتعلم، بكفي اللي ضاع من مستقبلنا”. وتستدرك: “احنا مش طالبين كتير، بس بدنا مكان آمن لأولادنا، يتعلموا فيه بعيد عن الرصاص والموت”.
استجابة لحاجة ملحّة
توضح مديرة مبادرة “المستقبل المشرق” التعليمية أيسل الفرا أن المدرسة جاءت استجابة لحاجة ملحّة، إذ يواجه الأطفال صعوبة كبيرة في الوصول إلى المدارس البعيدة عن أماكن سكنهم، في ظل واقع أمني معقّد وقيود حركة مستمرة.
وتشير الفرا إلى أن المدرسة التي تضم نحو 200 طالب وطالبة من المرحلتين الابتدائية والإعدادية، أُقيمت في موقع قريب من ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، وهو موقع يحمل مخاطر كبيرة، إلا أن اختيار المكان جاء بدافع ضمان استمرارية العملية التعليمية وعدم حرمان الأطفال من حقهم الأساسي في التعلم.
ووصفت الفرا أوضاع التعليم داخل الخيام بأنها صعبة للغاية، “فالأطفال يدرسون بدون مقاعد، والخيام لا تحمي ولا تقي من إطلاق الرصاص ولا من المطر، فضلاً عن نقص الإمكانات التعليمية، إضافة إلى الضغوط النفسية التي تطال الطلبة والمعلمين على حد سواء”.
وأضافت أن العمل في هذه البيئة يفرض تحديات يومية، ما استدعى اعتماد إجراءات احترازية، مثل إيقاف الدروس عند الخطر ونقل الطلبة إلى نقاط أكثر أمانًا، إلى جانب تقديم دعم نفسي عبر أنشطة ترفيهية وحوارية تساعد الطلبة على التخفيف من التوتر والخوف.
وتؤكد أن الدعم النفسي يشكّل جزءًا أساسيًا من العملية التعليمية داخل المدرسة، نظرًا لما يعيشه الأطفال من ضغوط وتجارب صادمة، ويتم ذلك من خلال أنشطة مرافقة مثل الرسم، واللعب، والتعبير الحر، التي تتيح للطلبة تفريغ مشاعرهم والتعامل مع القلق والتوتر بشكل صحي، إلى جانب جلسات حوارية تسهم في تعزيز شعورهم بالأمان والانتماء.
في هذه الظروف، يصبح التعليم لمئات الأطفال فعل مقاومة، والجلوس في الصف مجازفة يومية بالحياة، ومعركة يعيشونها بين الرعب والرغبة في التعلم.
وتقول الفرا إن الاستمرار في تقديم التعليم في هذه الظروف القاسية “ينبع من إيمان عميق بأن التعليم حق غير قابل للتأجيل أو التنازل”، وأن الحفاظ على استمراريته يمنح الأطفال قدرًا من الاستقرار النفسي والأمل، في واقع يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الطبيعية.
ووفق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فقد تسببت الإبادة الجماعية في حرمان أكثر من 785 ألف طالب وطالبة من التعليم المنتظم في المراحل المختلفة لثلاثة أعوام دراسية متتالية، واستشهاد أكثر من ألف طالب وإصابة الآلاف بجروح مختلفة.
فيما وثق “المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان” استهداف الاحتلال الإسرائيلي لـ668 مبنى مدرسيًا بقصف مباشر، وتدمير 179 مدرسة حكومية بالكامل، وإلحاق أضرار جسيمة بـ118 مدرسة حكومية، إلى جانب تدمير 100 مدرسة تابعة لوكالة “الأونروا”، و63 مبنى جامعيًا بالكامل، مع أضرار جسيمة في بقية الجامعات والكليات.
وتقدر نسبة المدارس المتضررة بأكثر من 95% من إجمالي المدارس في قطاع غزة، فيما تحتاج أكثر من 90% من المباني المدرسية إلى إعادة بناء أو تأهيل شامل، ما يجعل الغالبية العظمى من المدارس خارج الخدمة.
المصدر: الترا فلسطين