Site icon تلفزيون المدينة

سطورٌ من مذكّرة الحرب على غزة

انتهت الحرب، وتصافح القادة، وخرجنا ألوفًا فرحين ومنتصرين بعزٍ، جبنا الشوارع لنستعيد الذكريات، لكن لم أجد إلّا حطامًا معجونًا بدماء شهدائنا، وآثارهم… دمية مبتورة الأيدي، وفتات خبز فوق الشبابيك المدمرة تنتظر طيورها.

عدت إلى بيتي، تحسست جدرانه، وتفقدت عائلتي بهلع، حدقت في عيون أطفالي نيامًا، تذكرت أيامًا ثقيلةً وطويلةً كنّا نسهر فيها على وسادة واحدة، كي نحظى بموتة واحدة إذا غدرنا صاروخ وصرنا أشلاءً.

ذكرى من أيامٍ مضت

تقول عبير سمحان، من خان يونس ل “تلفزيون المدينة”: “شهدت حروبًا ثلاثة، وهذا العدوان رابعها، عشت فيهن أقسى مشاعر الخوف والقلق في ترقب، كنت أنتظر حتفي يقينًا أن ألقاه، لكن مشيئة الله أبقتني حية حتى اليوم، بأعجوبة لست أعيها، الحرب قاسية، سلبت مني أملي بالغد، وإننا لنصحو بعد سكرتها لأنه لا خيار إلّا أن نقف، وأن نستمر في حياة ماتت معالمها”. 

وتتابع: “أذكر اللحظة الأولى حين خرجت حيّة من حرب عام 2014 ، على أنغام أغنية لا تبالي يا غزة، انهمرت دموعي بلا توقف في مزيج من مشاعر لا أستطيع وصفها، وذهبت إلى بيتنا، فوجدته حطامًا، رأيت شقاء أبي وإخوتي لسنوات طويلة قد مُحيَ في غمضة عين، وبدأت أذكر ما تركت حين مضيت هاربة… ملابسي، كتبي الجامعية، وذكريات، وضحكات لا تنتهي في كل زاوية من زوايا البيت.. وبكيت لحظتها بكاء الفاقدين”.

عن الطفولة المسلوبة، وعن أسئلة لا يجيب عليها أحد، تقول سمحان إن أطفالنا تتساءل: “متى حنلبس أواعي العيد؟ ومتى حيجي العيد؟ ومعقول نعيش؟ وإذا استشهدنا كيف رح نحس؟ والصاروخ كيف رح يحرقنا؟ … بس إحنا ما بدنا نموت”، أطمئنهم وأقول: “تخافوش.. تخافوش” كلما سمعنا دويّ صاروخ، رغم أنني مليئة بالخوف، إلا أني أحاول طمأنتهم، وإذا خانني لساني وصمتْ عن طمأنتهم، أجدهم يرددون “تخافوش، تخافوش”.

تستطرد سمحان بحزنٍ: “سيعود الأطفال إلى مدارسهم المدمرة، وسيجلسون على حافة المقاعد، دون أن يشاركهم كل من كان في الصف، بعضهم أصبحوا طيورًا، ولا مكان لهم هنا، سيخدشوا السبورة ليحفروا أسماءهم، وليرسموا علم فلسطين مرفرفاً فوق قبة الصخرة”.

كيف تؤثر مشاهد الحرب على أهالي غزة؟

يتسم العدوان الأخير على غزة بشراسة غير مسبوقة، رغم أن كل حرب تأتي أعنف من سابقتها، إلّا أنّ القصف المتواصل بصواريخ متتالية ميّز العدوان الأخير، وأثّر بشكل كبير على نفوس البالغين والأطفال في القطاع.

يعاني نسبة كبيرة من أهالي غزة من أمراض النفسية وحالات الفصام والهلوسات، نتيجة مشاهد الحرب المتكررة، والظروف الصحية والنفسية السيئة التي يعيشونها. 

توضح الكاتبة مادلين حلبي، وهي ابنة غزة وخريجة من قسم علم النفس في حديثٍ خاص لـ “تلفزيون المدينة”، أن فظاعة الحرب وبشاعتها تظهر بعد انتهائها، إذ شهدت على حالات كثيرة أثناء محاولتها تقديم الدعم النفسي للضحايا.

وتسرد قائلةً : “واحدٌ من ضحايا الحرب النفسية، والذي ما زال حاضرًا في ذهني، شابٌ اعتقله جنود الاحتلال بالقرب من معبر “إيرز”، وهي منطقة حرب خلاء، تفتقر إلى أدنى مقومات الأمان، وتركوه بها لفترة، ثم أطلقوا سراحه وبدأوا يتفاخرون بإطلاق رصاص عشوائي صوبه، مما أدخله في صدمة نفسية لم تنجح في علاجها كافة جهود الدعم النفسي، مما أضطر الطب النفسي لوصف أدوية اكتئاب علاجية، رغمًا عن آثارها الصحية التي تفقد المريض جزءًا من تفكيره وإدراكه.

وتضيف: “طفلٌ آخر التقيته عام 2019 يعاني من حروق شديدة في وجهة، ومن انطواء ملحوظ خجلًا منه، جراء القصف الوحشي في حي الشجاعية في حرب عام 2014”.

وفي سؤال وجهناه حول الوضع النفسي اليوم، بعد عدوان شرس لمدة 11 يومًا، تفيد الحلبي بأن سلوكًا عنيفًا يغلب طابع القطاع، وتوترًا عاليًا يسيطر على الرجال، ناهيك عن ممارسات العنف وحالات الانطواء والتبول اللاإرادي والفزع الليلي لدى الأطفال.

ومع كل المعاناة النفسية، يواجه أهالي القطاع اليوم، مشاكل في البنى التحتية وصعوبة في توفير مياه صالحة للشرب، إذ توزع مياه مكررة بنسبة 30٪ فقط، وانقطاع الكهرباء لعشرات الساعات. ترى هل يعقل أن نجدهم في حالة من الاتزان النفسي اليوم؟

Exit mobile version