أتمَّت الشابة “أميرة” -اسم مستعار- استعداداتها لحفل زفافها الذي كان مقررًا يوم الخميس 12 تشرين الأول/أكتوبر 2023، قبل أن تُعطِّله حرب الإبادة الجماعية التي أطلقتها إسرائيل ضد قطاع غزة، مخلفة مأساة لم تقف عند عرقلة الزواج، بل تعمَّقت باختفاء الزوج منذ 26 شهرًا دون أي معلومة عنه.
تقول “أميرة” إن خطيبها “بهاء” -اسم مستعار- ذهب ليتفرج على أحداث السابع من أكتوبر مثل المئات غيره، لكنه لم يعد حتى الآن، مضيفة: “بحثنا عنه طوال العام الأول من الحرب، وتوجهنا للصليب الأحمر الدولي ومنظمات الأسرى وسألنا كل من شاهده، ولكن من دون معلومة ولو بسيطة حول مصيره”.
ولأن الصليب الأحمر أبلغها بأنه ليس ضمن أسرى غزة لدى الاحتلال، ولكون “كثير من الشواهد تؤشر لاستشهاده وبقائه في العراء” وفق قولها، فقد قررت “أميرة” أن تنفصل بعد أكثر من عام، لكن طلبها رُفض.
وتوضح “أميرة”: “ذهبنا للمحكمة لكي أطلق نفسي، فرفض القاضي، وطلب أوراقًا ثبوتية لوفاة الشاب، أو أنه ليس على قيد حياة”، ووكلنا محاميًا، وأيضًا تلقى نفس النتيجة.
تخلّت “أميرة” عن مساعي الانفصال بعدما انتابها الإحباط وبدأت تدخل في حالة اكتئاب بينما تُحيط بها الأسئلة: “هل أنا أرملة؟ أم مخطوبة وسيعود؟ أم معلقة؟ لم تكن لي صفة بين الناس” أضافت.
وبعد اتفاق إنهاء الحرب، عاد الأمل إلى “أميرة” بعودة “بهاء” بعد ورود معلومات بأن صفقة تبادل الأسرى ستشمل أسرى مخفيين لدى الاحتلال، اعتُقلوا السابع من أكتوبر وبعده. وتقول: “بحثنا عنه بين جثامين الشهداء الذين سلمهم الاحتلال، ولم نجده. كما أن الكثير من الجثامين كانت متحللة ولم تُعرف هوية أصحابها، ولم يكن بالإمكان أن نعرف إن كان خطيبي بينهم أو لا”.
إلى جانب ذلك، خلت كشوفات أسماء الأسرى التي سلمها الاحتلال أواخر العام الماضي من اسم خطيب “أميرة”. ورغم ذلك فإن الأمل بعودته لم ينقطع، “لكن رغبتي في الانفصال هي الأكثر إلحاحًا، لأني سئمتُ الحياة كلها، ولم يعد لي رغبة في الارتباط بأحد” كما تقول “أميرة”.
حكاية “أميرة” تُشبه حكاياتٍ كثيرة في قطاع غزة، فالمصير المجهول لمئات المفقودين في قطاع غزة يتبعه مصيرٌ مجهولٌ لمئات النساء اللواتي بقين معلقاتٍ حتى بعد انتهاء الحرب، فلا هن زوجاتٌ ولا أرامل، وليس بمقدورهن الانفصال أيضًا.
“اكتئاب صامت وفوضى نفسية”
وتؤكد الأخصائية الاجتماعية عُروب جمله أن “النساء في غزة يعشْن الاكتئاب الصامت ويواجهن الانهيار النفسي في ظل الفقد والضغوط الاجتماعية التي تعرضن لها طوال الحرب وما زلن، بما في ذلك فقدان أزواجهن أو خطابهن”.
وتوضح جمله، أن هذه الضغوط لا تقتصر على الحزن، بل تتطور أحيانًا إلى حالات من التوتر الشديد، وتصل إلى بدايات الاكتئاب، مع غياب الدعم النفسي والاجتماعي الكافي.
وتشير شهادات ميدانية إلى أن بعض الشابات يدخلن في حالة من الانعزال، إذ تسيطر عليهن مشاعر الحزن والارتباك، وتظهر عليهن أعراض مثل النوم المفرط، أو الحاجة إلى الصمت والعزلة، أو حتى نوبات من البكاء المفاجئ.
وتشدد الأخصائية جمله، على أن “هذه المظاهر، وإن بدت بسيطة، إلا أنها تعكس حجم الألم النفسي الذي تعانيه هؤلاء النسوة”، مبينة أن بعض الشابات “يعبرن عن رغبتهن في الانتظار حتى تنجلي الحرب وتتضح مصائر أحبائهن، بينما أخريات يعترفن بعدم قدرتهن على التحمل، ويبحثن عن بداية جديدة”.
وتقول جمله: “الدفع نحو الانتظار القسري أو التسرع في اتخاذ قرارات مصيرية قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات النفسية، وربما الدخول في حالات اكتئاب أو اضطرابات أخرى”.
وتؤكد أن التردد بين الحزن والرجاء يخلق حالة من الإنهاك النفسي، خصوصًا لدى المتزوجات اللواتي يتحملن مسؤولية تربية الأطفال وإدارة شؤون الأسرة بمفردهن، في ظل غياب الدعم المؤسسي والاجتماعي .
وتؤكد أنه حسب شهادات ميدانية، فإن النساء يتعرضن لتداخل الضغوط النفسية مع ضغوط المجتمع، ما بين ضغوط من الأهل أو المحيطين بهن لاتخاذ قرارات مصيرية، مثل فسخ الخطوبة بعد الغياب الطويل للشريك، أو انتظار عودته رغم انقطاع أخباره.
“تحديات قانونية جسيمة”
من جانبها، تقول المحامية رنا هديب، والممثلة لدى الهيئة الدولية للدفاع عن حقوق الفلسطينيين “حشد”، أنه منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وجدت آلاف النساء أنفسهن في مواجهة واقع قاسٍ، بعد أن فقدن شركاء حياتهن، سواءً بسبب القصف المباشر أو اختفاء أزواجهن في ظروف غامضة، ما أوقعهن في فراغ قانوني واجتماعي معقد.
وأوضحت هديب، أن النساء اللواتي فقدن المعيل يواجهن تحديات قانونية جسيمة، أبرزها ما يتعلق بحقوق الإرث والنفقة، في ظل غياب آليات رسمية واضحة للإبلاغ عن حالات الوفاة أو الفقدان، ما يحول دون تمكن الزوجة من المطالبة بحقوقها القانونية والمالية.
هذا الغموض القانوني ينعكس سلبًا على حياة النساء، إذ يجدن أنفسهن في حالة من “التيه القانوني”، كما وصفته إحدى الناشطات الحقوقيات.
وتزداد الأمور تعقيدًا في ظل ضعف المنظومة القضائية وتوقف عمل المحاكم نتيجة الحرب والحصار، ما يعرقل أي مساعٍ للحصول على الحقوق، كما تؤكد هديب التي تابعت حالات من هذا القبيل.
سُجِّلت في غزة حالات زواج لنساء من أقارب أزواجهن المفقودين، مثل أخ الزوج، قبل التأكد من وفاته، لتظهر لاحقًا مفاجآت صادمة بعودة الأزواج، ما يخلق علاقات أسرية معقدة
وتشير هديب إلى أن أزمات اجتماعية برزت نتيجة هذا الواقع، منها حالات زواج النساء من أقارب أزواجهن المفقودين، مثل أخ الزوج، قبل التأكد من وفاته، لتظهر لاحقًا مفاجآت صادمة بعودة الأزواج، ما يخلق علاقات أسرية معقدة ويزيد من الأعباء النفسية والاجتماعية على النساء.
تعميم قضائي طارىء
وإزاء هذه القضية الشائكة التي سببتها فظاعة الحرب وخفاياها، أصدر المجلس الأعلى للقضاء في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر 2025، تعميمًا قضائيًا طارئًا بخصوص دعاوى إثبات وفاة من فقد فى الحرب.
وجاء في التعميم أنه “يُحكم بموت المفقود لدى محاكم أول درجة والذي يغلب عليه الهلاك وفقد أثناء الحرب بعد ستة أشهر من تاريخ وقف إطلاق النار الواقع بتاريخ 2025/10/10”.
كما جاء في القرار “تعتد الزوجة عدة الوفاة اعتباراً من تاريخ الحكم في الدعوى، وتوزع تركته على الورثة الموجودين أثناء الحكم، كما يتم التحري على المفقود بجميع الطرق الممكنة الموصلة إلى معرفة حياته أو مماته حسب الأصول”.
ويدعو القرار القضائي “جميع الجهات المختصة كل فيما يخصه، لتنفيذ هذا التعميم وإلغاء كل ما يتعارض معه”.
ويحذر القرار من “أي تصرف في التركة أو زواج قبل صدور الحكم القضائي يُعدُّ باطلًا شرعًا وقانونًا، ويُحاسب عليه من يخالف النظام أو يفرّط في المال”.
وفي ظل الظروف القاسية التي تعيشها النساء “المعلقات”، يظل توفير الدعم النفسي المتخصص ضروريًا جدًا، خصوصًا وسط الظروف القاسية التي ما زال يمر بها قطاع غزة، وفقًا للمحامية هديب والأخصائية جمله.
المصدر: الترا فلسطين

