في غزة، لا يُمنَح الفرح وقتًا كافيًا ليكتمل. قد يبدأ على استحياء داخل بيتٍ محاصر، ثم يُقصف قبل أن يخرج إلى العلن.
هكذا انتهت حكاية محمد خليل أبو سمعان (13 عامًا) قبل أن تبدأ، فالطفل الذي كان يركض بين غرف المنزل، يساعد عائلته في التحضير لحفل زفاف خاله، لم يكن يعلم أن جسده الصغير سيكون هدفًا لرصاصة الاحتلال الذي أصابته، فاخترقت كل شيء: الضحكة، والاستعداد، والأمل.
رصاصة أطلقتها طائرة مسيّرة، لم تميّز بين فرحٍ مؤجل وطفولةٍ في بدايتها، فحوّلت بيتًا كان ينتظر الزغاريد إلى بيتٍ يستقبل العزاء.
صباح الجمعة السادس من فبراير/شباط 2026، أعلن مجمع الشفاء الطبي استشهاد الطفل محمد أبو سمعان، متأثرًا بإصابته الحرجة برصاص طائرة “كواد كابتر” في حيّ الزيتون بمدينة غزة، بعد ساعات طويلة من الصراع الصامت مع الموت داخل قسم العناية المركزة، صراعٌ لم يكن محمد واعيًا له، فقد أفقدته الرصاصة وعيه منذ اللحظة الأولى.
اللحظات الأخيرة..
في اليوم السابق لرحيل “محمد”، كان المنزل يعيش حالة مختلفة عن المعتاد، فالعائلة تحاول أن تصنع فرحًا صغيرًا وسط الحرب، تجهيزات لحفل زفاف الخال الأصغر، أحاديث عن الملابس والضيوف، وضحكات خافتة تحاول أن تتجاهل صوت الطائرات المسيّرة التي لم تغادر سماء الحي.
يقول خاله عبدالله الجاروشة (37 عاما) لـ “وكالة سند للأنباء”، “كنا نجهّز للزفاف.. أردنا أن نتمسك بالحياة، أن نفرح رغم كل شيء. بقينا داخل البيت لأننا اعتقدنا أنه المكان الأكثر أمانًا، لكن الطائرات كانت تحلّق فوقنا وتطلق النار عشوائيًا”.
وسط تلك الأجواء، صعد محمد إلى الطابق الثالث لينادي خاله بشأن بعض تجهيزات الزفاف، كان نداءً عاديًا في بيتٍ عادي يستعد لفرحٍ عائلي.. لكن فجأة، سقط الطفل أرضًا، في البداية، ظنّ أفراد العائلة أنه تعثّر أو أُغمي عليه، ثوانٍ قليلة كانت كفيلة بقلب المشهد بالكامل، حين بدأ الدم ينزف بغزارة من رأسه.
يروي خاله شكري الجاروشة (28 عامًا) الذي كان أول من وصل إليه: “سمعت صوت ارتطام قوي، ركضت نحوه، وجدته ممددًا على الأرض، الدم يغطي رأسه، حملته بين ذراعي، وكان رأسه الصغير متهتكًا بشدة، قبل دقائق كنا نتحدث عن الزفاف، وفي لحظة واحدة اغتالوا الفرح والطفل معًا”.
نُقل محمد على عجل إلى مجمع الشفاء الطبي، داخل العناية المركزة، اصطدمت العائلة بحقيقة قاسية، الأطباء أكدوا منذ البداية أن الإصابة بالغة الخطورة نتيجة تضرّر الدماغ الكامل، تحوّلت ساعات الانتظار إلى وداعٍ بطيء، جلست فيه العائلة بين أملٍ خافت وخوفٍ يكبر مع كل دقيقة.
“رصاصة سرقت طفلي”..
محاولًا التماسك أمام كلمات تصف المشهد، يقول والد محمد لـ “وكالة سند للأنباء”: “ابني كان يضحك قبل دقائق، كان يتحرك بيننا ويشاركنا فرحة الزفاف، فجأة رأيته بلا حركة، رصاصة واحدة سرقت صوته وحياته إلى الأبد”.
ويردد بألم: “أصعب شيء أن يعجز الأب عن إنقاذ طفله.. لم يبقَ لي إلا الدعاء وصرخة للعالم أن يوقف هذه الطائرات التي تقتل أطفالنا داخل بيوتنا”.
لم تكن حادثة استشهاد محمد أمرًا معزولًا أو استثنائيًا، فخروقات الاحتلال مستمرة رغم تراجع العمليات العسكرية الواسعة، حيث تحليق الطائرات المسيّرة وعمليات القنص باتت تهديدًا يوميًا للمدنيين، حتى في الفترات التي يُفترض أن تشهد هدوءًا نسبيًا، ما يجعل حتى البيوت، بما تحمله من أفراح وأحلام بسيطة، أماكن غير آمنة.
استُشهد محمد، بينما كانت عائلته تحضّر لزفاف لم يُقم، فهناك طفلٌرحل ولم يكبر، وبيتٌ تعلّم في لحظة واحدة أن الفرح في غزة قد يتحوّل إلى جنازة، وأن الطفولة قد تُغتال حتى وهي تنتظر الاحتفال.
ومنذ بدء حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، كان الأطفال هدفًا مباشرًا لطائرات الاحتلال وقناصته ومدفعياته، ونفذت بحقهم أبشع المجازر، فهناك في غزة، عرف الأطفال كل أشكال الموت، قصفًا وحرقًا وأشلاءً وجوعًا وعطشًا وبردًا، أمام أنظار العالم.
وبحسب آخر معطيات نشرتها وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، فقد بلغ العدد التراكمي للشهداء منذ بداية الحرب عام 2023، 72,032 شهيدًا، فيما بلغ العدد التراكمي للإصابات 171,661 مصابًا، غالبيتهم من الأطفال والنساء.
المصدر: سند