مبادرة تنازل لله: تُسقط ديونًا بقيمة 12 مليون شيكل في خمسة أيام
مبادرة تنازل لله نجحت في إسقاط ديون بمليارات الشواكل في فلسطين
من نصف مليون شيكل إلى 12 مليونًا خلال خمسة أيام.. مبادرة (تنازل لله) بدأت بدعوة بسيطة من الصحفي علاء الريماوي، وانتهت بموجة واسعة من إسقاط الديون والمسامحات، أعادت إلى الواجهة معنى التكافل الاجتماعي في وقت تثقل فيه الديون كاهل آلاف الأسر الفلسطينية.
لم تبدأ الحكاية بجمع تبرعات، ولا بطلب أموال من الناس، ولا بحساب مصرفي لاستقبال المساعدات.
بدأت بكلمة واحدة: «تنازل لله»
الصحفي والناشط المجتمعي علاء الريماوي أطلق عبر منصات التواصل الاجتماعي مبادرة حملت اسم «تنازل لله»، دعا فيها أصحاب الحقوق المالية إلى مسامحة المدينين والتنازل عن مستحقاتهم، ابتغاءً للأجر وتخفيفًا عن أشخاص وعائلات أثقلتها الديون والالتزامات المالية.
من فكرة بسيطة إلى حملة مجتمعية
ابتدت المبادرة حين اتصلت معلمة بالريماوي تناشده بإيجاد حل لدينها المترتب عليها، وخوفها من اعتقالها من الشرطة من داخل المدرسة، 35 ثانية كانت كفيلة بحل الإشكالية وتنازل صاحب الحق عن الدين، بحسب الريماوي.
35 دقيقة، فتحت المجال أمام المئات من أصحاب الحقوق لمبادرة تنازل لله والتنازل عن حقوقهم والمساحة “لوجه الله تعالى”.
ولم تمضِ فترة طويلة حتى بدأت تصل إلى الريماوي رسائل من أشخاص أعلنوا أنهم قرروا بالفعل إسقاط ديون مستحقة لهم.
وتحوّلت منصات التواصل إلى مساحة لعرض هذه القصص، فأصبح كل تنازل جديد يشجع آخرين على اتخاذ الخطوة نفسها.
وشملت الحالات ديونًا شخصية، وقروضًا حسنة، ومبالغ مستحقة مقابل معاملات وشراء، وكان القاسم المشترك بينها أن أصحابها قرروا إسقاطها عن أشخاص متعثرين واحتساب أجرها عند الله.
أول الأرقام.. نصف مليون شيكل
في بداية الحملة، كانت قيمة المسامحات في حدود نصف مليون شيكل.
لكن الرقم بدأ بالارتفاع بسرعة لافتة مع وصول مبادرات جديدة، حتى أعلن الريماوي بعد نحو 48 ساعة أن قيمة الديون التي جرى التنازل عنها وصلت إلى حوالي 7.5 مليون شيكل ضمن مبادرة تنازل لله.
وبعد ذلك اقتربت الحملة من حاجز 10 ملايين شيكل، قبل أن يصل إجمالي المسامحات المعلن إلى 12 مليون شيكل خلال خمسة أيام فقط، وفق ما نقلته وسائل إعلام عن الريماوي.
وهكذا، انتقلت المبادرة خلال أيام قليلة من فكرة فردية إلى حالة مجتمعية لافتة.
قصص صغيرة.. بأثر كبير
ربما لا تكمن قوة «تنازل لله» في الملايين التي أُسقطت فقط، وإنما في القصص الصغيرة التي وقفت خلف هذه الأرقام.
من بين القصص التي وثقتها شبكة قدس، شخص أعلن التنازل عن 4 آلاف شيكل من ثمن سيارة، مؤكدًا أنه سامح بها لوجه الله، ومتمنيًا أن يجعلها الله في ميزان حسناته.
وفي قصة أخرى، أعلن صاحب كشك بسيط مسامحته شخصًا كان قد استدان منه 130 شيكلًا، قائلًا إنه سامحه دنيا وآخرة لوجه الله، ولم يطلب لنفسه مقابلًا سوى الدعاء بأن يبارك الله في رزقه.
وقد تبدو قيمة 130 شيكلًا صغيرة مقارنة بملايين الحملة، لكنها بالنسبة لصاحبها كانت حقًا ماليًا اختار أن يتخلى عنه.
وصاحب محل تجاري حرق دفتر الديون بقيمة 40 ألف شيكل، وصاحب صيدلية أحرق دفتر الديون وقيمته 9 آلاف شيكل.
وهنا تحديدًا تظهر الفكرة الأساسية للحملة: العبرة ليست دائمًا بحجم المبلغ، وإنما بحجم التنازل نفسه.
ثلاثة أشخاص.. و5 آلاف شيكل
ومن النماذج الأخرى التي وثقتها الحملة، شخص أعلن مسامحته ثلاثة أشخاص كان قد أقرضهم مبالغ مالية، بإجمالي بلغ 5 آلاف شيكل.
صاحب المبادرة أعلن أنه يحتسب أجر هذه الأموال عند الله، مختارًا إسقاط الدين عن المقترضين بدلًا من مطالبتهم بالسداد.
هذه القصص تكشف أن الحملة (تنازل لله) لم تكن مرتبطة بفئة مالية واحدة؛ فبين المشاركين أصحاب مبالغ محدودة، وآخرون لديهم حقوق مالية أكبر، لكنهم اجتمعوا على فكرة واحدة: التخفيف عن المتعثرين.
عندما يصبح الدين فرصة لبداية جديدة
القصص التي ظهرت خلال الحملة أعادت النقاش حول الجانب الإنساني للديون.
فوراء كل رقم شخص، ووراء كل دين أسرة، ووراء كل مطالبة مالية ظروف قد لا يعرفها الدائن كاملة.
وقد يكون المدين موظفًا تراكمت عليه الالتزامات، أو أسرة اضطرت للاستدانة لتغطية احتياجات أساسية، أو شخصًا دخل في أزمة طارئة جعلته عاجزًا عن الوفاء في موعده.
وهذا تحديدًا ما جعل مبادرة (تنازل لله) تتجاوز فكرة «إسقاط مبلغ» إلى محاولة لتخفيف ضغط نفسي واجتماعي واقتصادي عن المدينين.
ليست حملة تبرعات
اللافت في «تنازل لله» أنها لا تطلب من الناس إخراج أموال جديدة.
الفكرة مختلفة تمامًا:
أن يتنازل صاحب الحق عن حق موجود أصلًا.
أي أن المساعدة لا تأتي من جيب شخص لا علاقة له بالدين، وإنما من صاحب الحق نفسه، إذا كان قادرًا وراغبًا في التنازل.
وهذا ما أعطى الحملة طابعًا خاصًا؛ فالمبادرة تقوم على قرار شخصي من الدائن، ولا تعني أن كل صاحب دين مطالب بالتنازل لله أو أنه قادر على ذلك.

من شخص إلى آخر.. كيف اتسعت الحملة؟
مع انتشار القصص، بدأت الفكرة تأخذ شكلًا متسلسلًا:
شخص يعلن تنازله،
فتصل قصته إلى آخر،
فيقرر هو أيضًا إسقاط دين،
ثم تظهر قصة جديدة،
ثم مبادرة أخرى.
وبذلك تحولت الحملة إلى ما يشبه سلسلة متتابعة من المبادرات الفردية.
وفي كل مرة كان الريماوي يعرض قصة جديدة ضمن مبادرة (تنازل لله) ، كانت الأرقام ترتفع، حتى تحولت المبادرة إلى مادة تحظى باهتمام وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية.
الحملة تصل إلى الملايين
الانتقال من نصف مليون شيكل في البداية إلى 7.5 مليون خلال 48 ساعة، ثم إلى قرابة 10 ملايين، وصولًا إلى 12 مليون شيكل خلال خمسة أيام، يلخص سرعة انتشار الفكرة.
وبحسب تغطية إعلامية للحملة، تجاوز عدد المبادرين 100 شخص عندما اقتربت قيمة المسامحات من حاجز 10 ملايين شيكل.
وهنا لم يعد السؤال: هل سيستجيب الناس؟، بل أصبح: إلى أين يمكن أن يصل هذا التنازل؟
الحملة في جنين.. الفكرة تتجاوز صاحبها
ومن علامات اتساع الفكرة ظهور مبادرات حملت الاسم نفسه في مناطق مختلفة.
ومنها مبادرة في جنين لتسامح الناس عن ديون متراكمة عليهم، في انعكاس لتحول «تنازل لله» من مبادرة مرتبطة بمنشورات الريماوي إلى فكرة بدأت تُستنسخ مجتمعيًا.
وهنا تكمن إحدى أهم نتائج الحملة:
أن الفكرة لم تعد بحاجة إلى صاحبها حتى تستمر.
فكل شخص يستطيع أن يأخذها إلى محيطه، وإلى عائلته، وإلى متجره، وإلى الأشخاص الذين لهم في ذممهم ديون.
من دفتر الديون إلى جبر الخاطر
في الحياة اليومية، قد تكون هناك دفاتر ديون في محال صغيرة، ومبالغ مستحقة بين الأقارب والأصدقاء، وقروض حسنة بين أفراد المجتمع.
لكن وراء كل سطر في دفتر الديون قصة إنسانية.
ولهذا ركزت الحملة (تنازل لله) على جبر الخاطر بقدر تركيزها على إسقاط المال.
فإسقاط دين قد يعني لطالب أن يكمل دراسته، أو لأسرة أن تتخلص من التزام كان يثقلها، أو لشخص متعثر أن يبدأ من جديد دون خوف من مطالبة مالية مستمرة.
وبهذا المعنى، تحاول الحملة إعادة تعريف قيمة المال:
أحيانًا يكون أعظم ما يستطيع الإنسان فعله بماله ليس تحصيله، وإنما التنازل عنه عندما يكون قادرًا على ذلك.
وفي المقابل.. التنازل قرار شخصي
الحملة نفسها فتحت نقاشًا مهمًا: ليس كل صاحب دين قادرًا على إسقاطه.
فالدائن قد يكون هو الآخر بحاجة إلى ماله، وقد يكون الدين مصدر دخله أو مرتبطًا بالتزاماته.
لذلك، فإن جوهر المبادرة قائم على الاختيار؛ من يستطيع أن يتنازل ويرغب في ذلك، يفعلها ابتغاءً للأجر، ومن لا يستطيع فلا يُحمّل ما لا يقدر عليه.
كما أن التنازل يفترض أن يكون عن حق يملكه صاحبه فعلًا، وأن يكون القرار واضحًا ونهائيًا وفق الحالة القانونية لكل دين.
خمسة أيام صنعت قصة أكبر من الرقم
بعد خمسة أيام من إطلاق المبادرة، لم يعد الرقم هو القصة الوحيدة.
12 مليون شيكل هو مجموع مالي ضخم، لكن خلفه قرارات فردية كثيرة: شخص سامح بأربعة آلاف، وآخر سامح بـ130 شيكلًا، وثالث أسقط خمسة آلاف عن ثلاثة أشخاص، وآخرون تنازلوا عن مبالغ أكبر بكثير، وكل واحد منهم كانت لديه أسبابه، وظروفه، ومدينه، وقصته، لكنهم التقوا جميعًا عند جملة واحدة: «تنازلت لله».