يُقصد بكلمة “تدفيع” (مصدر دَفَّعَ)، بشكل عام، إجبار أحد على الدفع، أو جعل شخص ما يتحمل تكلفة ما، وفي السياق السياسي الإسرائيلي، يُشير مصطلح “تدفيع الثمن” إلى عصابات المستوطنين التي ترتكب الجرائم ضد الفلسطينيين وتنهب ممتلكاتهم وتحرقها، بحجة إنها ثمن مقابل لهجمات المقاومة. أما في السياق الاقتصادي، فالمقصود به ما يفعله الرئيس الأميركي دونالد ترامب الآن، وسعيه للتحايل، عبر قانون اقتصادي أميركي، لتدفيع العالم ثمن الديون الأميركية الباهظة التي تبلغ 38 تريليون دولار، عبر خدعة “قانون جينيس”، أو GENIUS ACT للعملات الرقمية، أو “حصان طروادة” الرقمي، كما يسميه خبراء اقتصاد.
الخدعة تتلخص بإذابة الولايات المتحدة ديونها المقدرة بـ38 تريليون دولار، في الاقتصاد العالمي، من خلال قانون GENIUS Act الذي سيفتح الباب أمامها لتمويل عجزها التجاري والمالي عبر أصول رقمية (ستابل كوينز) Stable-coins، أو ما يُسمى “الكريبتو”، أي بورصة تبادل العملات الرقمية، مدعومة بسندات الخزانة، بحيث بدلاً من طباعة الدولار التقليدية، ستذوب هذه الديون وتتوزع عبر دول العالم التي ستستثمر في هذه العملات الرقمية الأميركية! خدعة ترامب الاقتصادية، لا تستهدف فقط تخليص أميركا من ديونها وتحميلها وتوزيعها على العالم، بل جعل “دولار أميركا الرقمي” يُهيمن على اقتصاد العالم وقد يُنشئ نظاماً مالياً عالمياً بديلاً، عبر تحويل العملات الرقمية المستقرة (ستابل كوينز) Stable-coins، الأميركية، إلى “حل سحري” لإنقاذها من أزمة الديون.
ولفهم السبب وراء سعي إدارة ترامب لهذه الخدعة التي تُسمى قانون “جينيس”، علينا رصد توسع أميركا في طباعة الدولار من الهواء وكيف سيؤثر ذلك بالعالم. ففي العام الماضي 2025 فقط، زاد المعروض النقدي من طباعة الدولار بقيمة 1.7 تريليون دولار، ليصل الإجمالي إلى مستوى قياسي يبيّن حجم الأزمة المالية الأميركية التي يجري ترقيعها بالورق المطبوع، الذي يبدو أنه مدفوع بقرب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس وطباعة المزيد من المال لتغطية الديون وإخفاء أزمة إدارة ترامب الاقتصادية.
خدعة ترامب الاقتصادية، لا تستهدف فقط تخليص أميركا من ديونها وتحميلها وتوزيعها على العالم، بل جعل “دولار أميركا الرقمي” يُهيمن على اقتصاد العالم
القصة بدأت بتشريع “قانون جينيس”، أو GENIUS ACT للعملات الرقمية، الذي سيدخل حيز التنفيذ أواخر العام الجاري 2026، بعد إصدار اللوائح التنفيذية من الجهات التنظيمية الاتحادية، التي تتزايد التكهنات وتحذيرات خبراء وتقارير اقتصادية دولية بشأن مستقبل هذه الخطوة، وهل تؤدي إلى هيمنة الدولار الرقمي، وسيطرة أميركا من خلاله على الاقتصاد العالمي عبر العملات الرقمية؟ وهل ينتهي الأمر بإنشاء نظام مالي بديل؟ حين وقّع الرئيس الأميركي ترامب هذا القانون في 19 يوليو/ تموز الماضي، اعتبره خبراء اقتصاد أخطر حدث مالي في القرن الحالي، وربما أكبر تحول نقدي منذ 1971، لأنه يسمح للعملات الرقمية المستقرة بأن تُحكِم سيطرة أميركا على الاقتصاد العالمي. ففي الأزمات كانت البنوك المركزية تشتري الذهب، وهو ما تتكالب عليه بنوك أوروبا والصين وغيرها لربط عملاتها به بدلاً من الدولار، لكن أميركا تعمل في المقابل سراً على تدوير ديونها الـ38 تريليون دولار وإذابتها من خلال هذا القانون الذي حذر منه مستشار الرئيس الروسي بوتين.
حيلة لإلغاء ديونها
وكان مستشار الرئيس الروسي أنطون كوبياكوف قد حذر في منتدى الشرق الاقتصادي في مدينة فلاديفوستوك الروسية، سبتمبر/ أيلول الماضي من أن واشنطن تلعب بالعملة المشفرة لخفض قيمة ديونها.
وحذر من “مخطط أميركي” لاستخدام الكريبتو، أي بورصة تبادل العملات الرقمية، لتخفيف ديونها على حساب العالم، بإعادة هيكلة الديون الأميركية وتصديرها للعالم عبر “حصان طروادة” رقمي، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة تحوّل دينها الحكومي إلى عملة مشفرة من أجل إفقاده قيمته. قال كوبياكوف إن الولايات المتحدة “تعيد كتابة قواعد الذهب والكريبتو”، وتدفع العالم كله إلى ما سماه “سحابة الكريبتو”، أي بورصة العملات الرقمية بدل الدولار الورقي والذهب، ثم، عندما يصبح الجميع داخل هذه السحابة، ستحوّل جزءاً هائلاً من التزاماتها (ديونها) إلى تلك البيئة الرقمية عبر عملات مستقرة مدعومة بأذون خزانة، وبعدها تُضعِف قيمة هذا الدين بالتحكم في قيمة الدولار نفسه، وفق موقع “إنفستمنت”.
وأوضح أنه عندما “يُحوَّل جزء من الدين الحكومي للولايات المتحدة إلى عملات مشفرة مستقرة Stablecoins، ستُفقد الولايات المتحدة هذا الدين قيمته”، فإذا كانت قيمة دينهم الآن تبلغ 35 تريليون دولار، سيُحوّلونه إلى العملة المشفرة والسحابة الإلكترونية، ما يفقد هذا الدين قيمته، ويسمح لهم بالبدء مجدداً من النقطة الصفر (بلا ديون)، ما يعني أن القانون الأميركي ليس إلا “فخاً” لاحتجاز ثروات العالم في “سحابة مالية” تسيطر عليها واشنطن، وفق مستشار بوتين، بحسب وكالة “سبوتنيك” الروسية. وتخطى الدين العام الأميركي حاجز 38 تريليون دولار مطلع سبتمبر/ أيلول 2025، وسيؤدي تخفيض قيمة الدين الأميركي عبر حيلة قانون جينيس (العبقري)، وبحكم امتياز سك واشنطن عملتها (الدولار) وطباعتها إلى تقليص القدرة الشرائية عملياً إلى أن يُسدّد الدين فعلياً عبر التضخم، وتآكل قيمته الفعلية بحسب خبراء اقتصاد.
حذر مستشار الرئيس الروسي أنطون كوبياكوف في منتدى الشرق الاقتصادي في مدينة فلاديفوستوك الروسية، سبتمبر/ أيلول الماضي من أن واشنطن تلعب بالعملة المشفرة لخفض قيمة ديونها.
الفكرة أن قانون GENIUS Act يركز على العملات المستقرة (Stablecoins) مثل USDC وUSDT، وهي عملات رقمية مربوطة 1:1 بالدولار الأميركي، وفي السابق، كانت هذه العملات تعمل في منطقة رمادية، لكن القانون الجديد يضفي عليها الشرعية الكاملة، بشرط أن تكون احتياطيات هذه العملات مدعومة أساساً بسندات الخزانة الأميركية قصيرة الأجل والديون الحكومية التي سيشتريها مستخدمو الإنترنت حول العالم.
وكل دولار رقمي يُصدَر لتلبية هذا الطلب العالمي، يجب أن يُقابل بشراء سندات خزانة أميركية من قبل الشركة المصدرة مثل Circle أو Tether. وهكذا، كلما زاد اعتماد العالم على الدولار الرقمي، زاد الطلب التلقائي على الديون الأميركية، ما يعني أن واشنطن وجدت طريقة لتمويل عجزها المالي، ليس عبر طباعة النقود (التي تسبب تضخمًا محليًا مباشرًا)، بل عبر توسيع قاعدة مستخدمي الدولار الرقمي ليشمل كل شخص لديه هاتف ذكي وإنترنت، دون الحاجة لفتح حساب بنكي تقليدي، وفق تقديرات مالية.
ففي النظام المالي التقليدي، تتحرك الأموال عبر بنوك لها مقرات فعلية وتخضع لقوانين محلية، وتعتمد على نظام “سويفت” (SWIFT)، وهو نظام تهيمن عليه أميركا أيضاً، إلا أنه بطيء ومكلف وله بدائل ناشئة. أما في النظام الجديد الذي يؤسسه قانون جينيس الأميركي، فإن الدولارات تتحول إلى “بيانات” أو “رموز” تعيش على شبكات البلوكشين (السحابة)، وفق الخبير الاقتصادي “محمد حسن”، عبر حسابه على تويتر (أكس). ويعني ذلك توزيع الخسائر (تصدير التضخم)، فعندما تنجح أميركا في جعل مليارات البشر يستخدمون الدولار الرقمي، سيؤدي أي تخفيض في قيمة الدولار إلى عدم تحمل المواطن الأميركي التضخم وحده، بل ستتوزع “الفاتورة” على حامل الدولار الرقمي والمبرمج والتاجر في كل دول العالم، وأميركا هنا تقوم بـ”خصخصة الأرباح” (تمويل العجز) و”تأميم الخسائر” على مستوى كوكب الأرض.
في النظام الجديد الذي يؤسسه قانون جينيس الأميركي، فإن الدولارات تتحول إلى “بيانات” أو “رموز” تعيش على شبكات البلوكشين (السحابة)
وهذه السيطرة الأميركية المطلقة (عن بُعد) على “العملات المستقرة الرقمية”، تعني أن الشركات المصدرة لهذه العملات ملزمة باتباع القوانين الأميركية، وواشنطن يمكنها نظريًا وعمليًا تجميد مليارات الدولارات في محافظ رقمية حول العالم بضغطة زر، دون الحاجة لمخاطبة بنك مركزي أجنبي أو إرسال طلب عبر الإنتربول، ما يعني أن العالم يدخل طواعية في “سجن مالي مفتوح” جدرانه من أكواد برمجية، ومفتاحه في واشنطن، وفق الرواية الروسية على لسان مستشار بوتين “كوبياكوف”.
فهل يعني هذا أن مستقبلاً جديداً للنظام المالي يتشكل، والدولار الورقي يجري إنقاذه من الانهيار، والنظام المالي العالمي يعيد تشكيل نفسه ليكون هجيناً، بحيث يكون في الداخل الأميركي التعامل وفق الدولار الورقي ونظام بنكي تقليدي للمواطنين، أما في الخارج فيكون التعامل بالدولار واليورو وفق الصيغة الرقمية (Stablecoins) التي ستغزو الأسواق الناشئة، وتحل محل العملات المحلية الضعيفة، وتعزز الطلب على السندات الأميركية؟
وهل تخوف دول العالم من هذه الخدعة المالية الأميركية وراء تكالب البنوك المركزية على الذهب وتكالب أصحاب الأموال على عملة البيتكوين الرقمية، ولإدراك البنوك المركزية الكبرى في أوروبا والصين وروسيا والمؤسسات المالية أن القواعد تتغير وشراء الذهب بات عملة “سيادية” للدول لأنه العدو التاريخي للدولار الورقي؟
المصد: العربي الجديد

