تصاعد ملاحقة الطلبة الفلسطينيين في الجامعات الإسرائيلية على خلفية التعبير عن هويتهم ومواقفهم السياسية، حتى لو كان ملصق، في ظل تزايد الإجراءات التأديبية ومحاولات تقييد حرية التعبير داخل الحرم الأكاديمي.
تتواصل ملاحقة الطلبة الفلسطينيين في الجامعات والمؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية على خلفية التعبير عن مواقف سياسية أو نشر مضامين تتعلق بالقضية الفلسطينية، في أعقاب السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وسط تصاعد الإجراءات التأديبية ومحاولات تقييد حرية التعبير، في سياق أوسع من التضييق على الحضور الفلسطيني داخل الحرم الأكاديمي.
وفي تقرير مفصل بعنوان “الفصل العنصري في الجامعات الإسرائيلية”، نُشر قبل عدة أشهر، عرض مركز “عدالة” معطيات توثّق حجم هذه الملاحقات واتساع نطاقها. فمنذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، تلقّى المركز 132 توجّهًا من طلاب أُحيلوا إلى إجراءات تأديبية في نحو 40 مؤسسة أكاديمية، بينهم 131 طالبًا فلسطينيًا. وبيّنت المعطيات أن 101 من الحالات تعود إلى طالبات، بنسبة 76.5%، مقابل 31 طالبًا، فيما قدّم المركز دعمًا أو تمثيلًا قانونيًا في 100 حالة.
وفي أحدث هذه الحالات، حاولت إدارة السكن الجامعي في جامعة تل أبيب، خلال الأيام الأخيرة، إخلاء طالبة عربية من غرفتها في السكن، على خلفية تعليق ملصق يتناول النكبة وحق عودة اللاجئين الفلسطينيين، في خطوة أثارت تساؤلات بشأن حرية التعبير وحقوق الطلاب الفلسطينيين داخل المؤسسات الأكاديمية.
الملصق الذي تذرع مدير السكن بسببه ملاحقة الطالبة
وتقدّم مركز “عدالة” باستئناف على قرار إبعاد الطالبة، ما دفع اللجنة التأديبية إلى إلغاء قرار إدارة السكن الجامعي. وفي الوقت نفسه، أكد رئيس الجامعة أن الطالبة لن تُبعَد من السكن، موضحًا أن القرار اتخذته جهة تجاوزت صلاحياتها.
وقالت الطالبة التي تعرّضت لمحاولة إخلاء غرفتها في السكن الجامعي بجامعة تل أبيب: “منذ عدة أيام، حضر مدير السكن وطلب مني إبراز هويتي ورخصة القيادة، وصوّرهما، كما التقط صورة للملصق الموجود على حاسوبي الشخصي، قبل أن يغادر المكان من دون أن يوضح لي سبب تصرفه. وفي اليوم التالي، تلقيت اتصالًا من سكرتيرة السكن دعتني فيه إلى لقاء مع المدير، من دون أن توضح لي الغرض منه أو سبب استدعائي”.
وأضافت الطالبة: “خلال اللقاء، فوجئت بمدير السكن يبلغني بقرار إخلاء غرفتي خلال أسبوعين، بادعاء أنني علّقت ملصقًا يدعو إلى العنف ويخالف أحد بنود دستور السكن. حاولت أن أشرح له مضمون الملصق وأوضح العبارات المكتوبة باللغة العربية، لكنه لم يمنحني فرصة للتعبير عن نفسي، ورفض الاستماع إلى توضيحاتي، وأبلغني بأن القرار نهائي ولا يمكن استئنافه”.
وأشارت الطالبة إلى أن “الملصق يتضمن ثلاث عبارات تتعلق بالذاكرة والهوية الفلسطينية، وهي: النكبة مستمرة، العودة حتمية، والصمود واجب. وهو ملصق وزّعه حراك طلابي ديمقراطي في الجامعة بعد الحصول على موافقة الجامعة عليه. وكان الملصق موجودًا على حاسوبي منذ نحو عام، لذلك كان ما حدث مفاجئًا وغير متوقع بالنسبة إليّ”.
وتابعت الطالبة: “لا أعرف ما إذا كانت قد قُدّمت شكوى رسمية ضدي، إذ لم أتلقَّ أي شكوى مكتوبة أو تبليغًا رسميًا، كما لم يُعرض عليّ أي مستند يوضح طبيعة المخالفة المزعومة. أعتقد أن ما حدث مرتبط بالتمييز على خلفية اللغة العربية، وعدم فهم العبارات المكتوبة أو ترجمتها بصورة خاطئة. فهذه العبارات لا تدعو إلى العنف، وإنما تعبّر عن هويتي الفلسطينية وانتمائي”.
وأوضت الطالبة: “بعد اللقاء، توجهت للحصول على مساعدة قانونية من المحامية لبنى توما من مركز عدالة، التي قدّمت استئنافًا على قرار الإخلاء، إلى جانب تحركات قامت بها مجموعات طلابية وأكاديمية في الجامعة. وفي أعقاب ذلك، أُلغي قرار إخلائي من السكن”.
ولفتت الطالبة إلى أنه “قررت مغادرة السكن مؤقتًا والعودة إلى المنزل لأخذ قسط من الراحة، لأنني لم أعد أشعر بالارتياح والأمان في المكان، خصوصًا أن مدير السكن لا يزال موجودًا فيه ويسكن بالقرب مني. لديّ تخوف مما حدث، لأنه يعكس الطريقة التي يُنظر بها إلى الطلاب العرب داخل المؤسسات التعليمية، وكأن الطالب الفلسطيني يُعامل باعتباره مصدر تهديد، وتُفرض عليه الرقابة والملاحقة لمجرد التعبير عن هويته”.
إلغاء القرار لا يعني انتهاء القضية
وأكدت الطالبة أن “التراجع عن القرار لا يعني أن القضية انتهت؛ فما انتهى هو قرار إخراجي من السكن فقط، أما التساؤلات بشأن التعامل مع الطلاب العرب واللغة العربية وحرية التعبير، فما زالت قائمة. وجاء إلغاء القرار على خلفية عدم امتلاك مدير السكن صلاحية فرض هذه العقوبة، لكن ذلك لا يجيب عن السؤال الأساسي المتعلق بسبب اعتبار ملصق يتناول النكبة وعبارات تعبّر عن الهوية الفلسطينية مادةً تدعو إلى العنف”.
وتابعت الطالبة: “ما أواجهه لا ينفصل عن واقع أوسع من التضييق على الفلسطينيين في المؤسسات التعليمية وأماكن العمل، إذ باتت حتى اللغة العربية مصدرًا للتخوف والمساءلة، وأصبح التعبير بها أمرًا يثير الحساسية. تركت هذه الحادثة أثرًا نفسيًا عليّ، خصوصًا أنني في سنتي الجامعية الخامسة، ولديّ امتحانات قريبة، وكان من الصعب التعامل مع هذا الضغط في الوقت الذي يُفترض أن أركّز فيه على دراستي”.
وفي السياق ذاته، قالت الطالبة: “تلقيت رسائل دعم كثيرة من زملاء وطلاب يقيمون في السكن، وتواصل معي عدد منهم وأخبروني عن تعرضهم هم أيضًا لمعاملة عنصرية من قبل مدير السكن نفسه. وقد فوجئت بسماع هذه التجارب، خصوصًا أنها لم تُطرح أمامي من قبل”.
وختمت الطالبة حديثها قائلة: “رسالتي إلى الطلاب العرب في المؤسسات الأكاديمية هي ألا يتنازلوا عن حقهم في التعبير عن آرائهم والحفاظ على هويتهم، وألا يخضعوا لمحاولات التخويف أو الإسكات، حتى عندما يكون الدفاع عن هذا الحق صعبًا أو يثير القلق. فمن المهم أن يدافع كل طالب عن حقوقه، وأن يعرف أن التعبير عن هويته ولغته حق لا ينبغي أن يتنازل عنه”.

المصدر: “عرب 48”