في لحظة خاطفة، تغيّر كل شيء في حياة ماريا ريحان، ذات الـ 11 ربيعًا، كانت هذه تملأ البيت ضحكاتها البريئة، تتقاسم الأحلام مع إخوتها وتخطّ طريقها نحو حلم نبيل: أن تصبح طبيبة تعالج عيون الأطفال، لكنها لم تكن تعلم أن الظلام الذي كانت تسعى إلى مداواته سيغدو قدَرها.
ففي ليلة دامية من ليالي العدوان المتواصل على قطاع غزة، سُرقت منها عائلتها وبصرها دفعة واحدة، ووجدت نفسها وحيدة تحت الركام، تصارع وجع الفقد في مدينة تحاصرها الحرب ويخذلها العالم.
يروي عمّها، محمد عبدالله ريحان، تفاصيل اليوم الذي انقلبت فيه حياة ماريا رأسًا على عقب قائلًا: “في التاسع من يونيو/ حزيران 2025، استهدفت طائرات الاحتلال حيًّا سكنيًّا مكتظًا في جباليا البلد شمالي قطاع غزة. جاء التحذير كعادته: صوتًا عابرًا من السماء يطلب من السكان إخلاء منازلهم، دون أن يمنحهم الوقت الكافي لحمل حتى ذكرياتهم”.
غادرت العائلات مذعورة، وماريا كانت بينهم، تمسك بيد والدتها وتحدّق بعينيها الصغيرتين في السماء، تبحث عن تفسير لما يحدث، وبعد دقائق من سقوط القنابل الأولى، عاد الناس إلى منازلهم على أمل أن الخطر قد مضى، أن الحياة يمكن أن تُستأنف من جديد، ولو مؤقتًا.
لكن الطمأنينة لم تدم طويلًا.. بعد أقل من عشر دقائق، دوّى انفجار هائل آخر.. هذه المرة لم يكن في الجوار، بل في قلب بيت جد ماريا لأمّها، حيث كانت تظن أنها ستكون آمنة.
فقدان العائلة والبصر
كانت ماريا مع والديها وأخواتها وخالتها داخل المنزل، في ثوانٍ معدودة، انهار البيت بأكمله تحت وطأة الانفجار، واستشهد جميع من كانوا فيه، ولم يبقَ سوى ماريا وشقيقتها الصغيرة أنسام، ذات الثماني سنوات، الطفلتان اللتان نجتا من بين الركام، لكن ماريا خرجت جريحة تحمل في جسدها ألامًا تفوق عمرها.
ويضيف عمّها في حديثٍ مع “وكالة سند للأنباء” أن جسدها الصغير تحوّل إلى خريطة من الألم، شظية حادّة اخترقت عينها اليمنى، فأطفأت نورها إلى الأبد، وأخرى أصابت عينها اليسرى فتسببت في فقدان مؤقت للبصر.
لم يتوقف الألم عند عينيها، بل استقرت شظية أخرى فوق قلبها، وهي الأخطر، إلى جانب جروح عميقة وخدوش لا تُعدّ، غطت جسدها الصغير، وكأن الحرب أرادت أن تترك آثارها على كل شبر فيه.
اليوم، تقف ماريا على حافة فقدان البصر كليًّا، وحياتها مهددة في كل لحظة، فهي بحاجة ماسّة للعلاج خارج قطاع غزة، حيث لا تتوفر الإمكانات الطبية اللازمة لإنقاذ عينها اليسرى أو إزالة الشظية الخطيرة التي لا تزال مستقرة فوق قلبها.
رغم تصنيف حالتها من قبل منظمة الصحة العالمية على أنها “مستعجلة وفورية” منذ أكثر من شهر ونصف، يؤكد عمّها أن سلطات الاحتلال لم تسمح لها حتى الآن بالسفر، وكأن الألم لا يكفي، فيُضاف إليه الانتظار القاتل وغياب الاستجابة.
آلام مضاعفة
يحكي عمّها بصوتٍ مثقل: “أصعب ما مرّت به ماريا لم يكن الألم الجسدي فحسب، بل اللحظة التي أدركت فيها أن عائلتها كلها قد استُشهدت. في الأيام الأولى، كانت تسألني بصوت خافت: عمو، متى راح أقدر أشوف بعيني؟… لم تكن تعرف بعد أن من كانت تريد أن تراهم، قد رحلوا جميعًا”.
ماريا، البكر في أسرتها، كانت شعلة حياة، محبوبة من الجميع، مليئة بالنشاط والحيوية، تعشق المدرسة وتحلم أن تصبح طبيبة عيون تعالج الأطفال المتألمين من ويلات الحروب — حلمٌ ولِد من طيبة قلبها وامتداده إلى معاناة الآخرين.
اليوم، لم يتبقَّ من ذلك الحلم سوى بصيص أمل، تتشبث به رغم الظلام. كل ما تتمناه ماريا هو أن تُمنح فرصة للعلاج، أن تُشفى لتكمل حلمها، أن تُمنح حياة جديدة بعدما سرقت الحرب طفولتها، عائلتها، وبصرها.
ماريا إنها ليست مأساة فردية، بل مشهد يومي من حرب إبادة تواصل التهامها للأمل والحياة، تاركة خلفها جراحًا لا تندمل، وأطفالًا يبحثون عن ضوءٍ وسط هذا الظلام.
المصدر: سند

