الرصاص العشوائي.. موتٌ يلاحق الغزيين على الأرض
لم يُنهِ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار خطر استهداف المدنيين، بل أعاد إنتاجه بصيغة أكثر خفاءً وقسوة وعنفًا؛ ففي خيام النزوح، وعلى أنقاض المنازل المدمَّرة، وداخل المدارس التي تحوّلت إلى ملاجئ مؤقتة، بات الرصاص العشوائي يفرض حضوره اليومي، مخترقًا القماش والجدران الهشّة، ومخلّفًا ضحايا من الأطفال والنساء والنازحين، في مناطق يُفترض أنها بعيدة عن خطوط التماس.
صعّد جيش الاحتلال من عمليات إطلاق النار العشوائي صوب خيام النازحين ومراكز الإيواء والمناطق القريبة من الخط الأصفر، في أنحاء متفرقة من قطاع غزة، ما أدى إلى استشهاد عدد من المواطنين وإصابة آخرين
بين شهادة نجل شهيد سقط أثناء أداء الصلاة، وطفلة نجت بأعجوبة من الموت داخل خيمتها، وأبٍ حوّل المدرسة إلى سجن خوفًا على أطفاله، تتكشّف ملامح واقعٍ أمني هشّ، يجعل أي حديث عن “مناطق آمنة” أمرًا صعبًا، ويطرح تساؤلات جدية حول مصير المدنيين في مرحلة ما بعد الحرب.
وفي الآونة الأخيرة، صعّد جيش الاحتلال من عمليات إطلاق النار العشوائي صوب خيام النازحين ومراكز الإيواء والمناطق القريبة من الخط الأصفر، في أنحاء متفرقة من قطاع غزة، ما أدى إلى استشهاد عدد من المواطنين وإصابة آخرين.
ويثير إطلاق الاحتلال للرصاص العشوائي الخوف والذعر في صفوف النازحين، وكأن الحرب لم تتوقف، إذ لم يجدوا المكان الأكثر أمانًا للاحتماء به حفاظًا على حياتهم وحياة أطفالهم.
ولم يتوقف الاحتلال عن انتهاكه لاتفاق وقف إطلاق النار منذ دخوله حيّز التنفيذ في 10 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، مرتكبًا أكثر من 1244 خرقًا للاتفاق، ما أدى إلى استشهاد ما يزيد عن 464 مواطنًا، وفق المكتب الإعلامي الحكومي.
صلاة تحوّلت إلى وداع
في ظهيرة يوم 25 آب/أغسطس 2025، لم يكن الإعلامي والمحاضر الجامعي الدكتور حسن دوحان يعلم أن صلاة العصر ستكون وداعه الأخير، داخل خيمته القماشية التي لجأ إليها مع عائلته بحثًا عن قدرٍ ضئيل من الأمان. اخترقت رصاصة طائشة جسده وأنهت حياته أمام أعين نجله يوسف.
وقعت الحادثة في شارع الإسبطل، قرب مدينة أصداء الترفيهية، وهي منطقة تكتظ بخيام النازحين، حيث لا جدران تحمي، ولا سقوف تردّ الرصاص.
وبحسب يوسف، النجل الأكبر للشهيد، فإن إطلاق النار العشوائي جاء من طائرة مسيّرة من نوع “كواد كابتر” من مناطق ليست قريبة، حيث تتكرر حوادث القنص وإطلاق النار بشكل يومي.
يروي يوسف، لـ”الترا فلسطين”، اللحظة التي انقسمت فيها حياته إلى ما قبلها وما بعدها، قائلًا: “كان أبي في خيمته يؤدي صلاة العصر، فجأة اخترقت رصاصة طائشة القماش وأصابته في رقبته أمام عيني. سقط فورًا دون أي إنذار. حاولنا إسعافه، لكن النزف كان أسرع من قدرتنا”.
الخيمة مسرحًا للموت
ويصف يوسف المشهد الذي لا يفارقه: “الخيمة التي لجأنا إليها على أمل أن تكون ملاذًا آمنًا، تحولت في لحظة إلى مسرح للموت، الرصاص مزّق القماش، وكأننا مكشوفون تمامًا للسماء والموت معًا”.
وخلال محاولة إنقاذ الدكتور حسن، أُصيب أحد الأشخاص الذين هبّوا لإسعافه بإصابة خطيرة جراء إطلاق النار الكثيف الذي غطّى المكان.
ويقول يوسف، بصوت يختلط فيه الإيمان بالحسرة: “لم تكن الرصاصة في الليل أو الفجر، بل في وضح النهار. كان يمكن أن تخطئه وتُصيب غيره، لكنه قضاء الله”، مؤكدًا أن أصوات الرصاص كانت كثيفة وعشوائية في منطقة لا تضم سوى خيام، ولا تتوافر فيها أي وسائل للحماية، حيث يخترق الرصاص القماش بسهولة.
ويضيف أن الرصاص الطائش أصبح جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية: “إطلاق النار يتكرر كل يوم، ويشتد في المساء ويمتد حتى الصباح. نشعر وكأن الموت يطوف حول خيامنا، ولا نعرف من سيكون التالي”.
قبل نحو شهرٍ ونصف، كادت الطفلة ضُحى اسليم (16 عامًا) أن تلقى مصيرًا مشابهًا للشهيد دوحان وعشرات الضحايا الآخرين، حين اخترقت رصاصة طائشة خيمتها المقامة فوق أنقاض منزل عائلتها المدمّر في منطقة البلد وسط مدينة خانيونس. الرصاصة اخترقت جسدها واستقرت في منطقة البطن، محدثة إصابة خطيرة في البنكرياس، أدخلتها في حالة حرجة استدعت تدخّلًا جراحيًا عاجلًا، تمكّن الأطباء على إثره من إنقاذ حياتها بعد ساعات وُصفت بالأصعب.
وتستعيد ضُحى تفاصيل تلك الليلة التي ما زالت محفورة في ذاكرتها، قائلة: “كنت نائمة عندما شعرت فجأة بشيءٍ ارتطم بجسدي، في البداية ظننت أنني أحلم، لكن بعد لحظات شعرت بأن بطني ينزف. وضعت يدي فوجدتها مبللة بالدماء، فبدأت أصرخ، حضر والدي والجيران بسرعة وطلبوا الإسعاف، ولم أستفق إلا وأنا على سرير المستشفى”.
خوف لا يفارق الذاكرة
وتضيف، بصوتٍ يختلط فيه الخوف ببراءة الطفولة: “منذ تلك الليلة لم أعد أنام بهدوء، كل صوتٍ مفاجئ يعيدني إلى اللحظة نفسها. أشعر وكأن الرصاصة ما زالت تطاردني. لم أعد أشعر أن الخيمة بيت، بل مكان مكشوف، نخاف فيه من النوم كما نخاف من الاستيقاظ”.
وتواصل: “كنت أحلم أن أعود إلى مدرستي وأعيش مثل باقي الأطفال، لكن إصابتي جعلت كل شيء أصعب، حتى أبسط الأشياء صارت تحتاج جهدًا وألمًا”.
وتشير إلى أنه، رغم بُعدهم نسبيًا عن ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، تعيش العائلة حالة رعب دائمة نتيجة وصول الرصاص الطائش من قوات الاحتلال إلى المناطق التي يقطنون فيها، وكأنهم في قلب الحرب.
ورغم تجاوزها مرحلة الخطر، لا تزال ضُحى تخضع حتى اليوم لعلاج تأهيلي طويل، نتيجة المضاعفات الجسدية والنفسية التي خلّفتها الإصابة، في رحلة شاقة لاستعادة قدرتها على الحركة وممارسة حياتها الطبيعية، وسط ظروف صحية وإنسانية بالغة الصعوبة، في ظل محدودية الخدمات الطبية ونقص الإمكانيات.
من جهته، يؤكد والد الطفلة أن الخيام لم تعد تشكّل أي ملاذ آمن، مشيرًا إلى أن الرصاص العشوائي بات يخترق القماش كما يخترق ما تبقّى من إحساس بالأمان لدى العائلات النازحة، محوّلًا ليالي النزوح إلى حالة دائمة من القلق والترقّب، وانتظارٍ ثقيل لما قد يكون أكثر سوءًا.
ساحات مكشوفة للرصاص
ولا يختلف حال محمد نصار (40 عامًا) كثيرًا عن غيره من النازحين الذين تحوّلت أماكن لجوئهم إلى بؤر خوف دائمة. فبعد أن أُجبر على النزوح مع عائلته من بلدة بيت لاهيا شمالي قطاع غزة، انتهى به المطاف داخل مدرسة عكّا، المجاورة لمستشفى ناصر في مدينة خانيونس، على أمل أن توفّر المدارس، بوصفها منشآت مدنية، حدًّا أدنى من الحماية. غير أن هذا الأمل سرعان ما تلاشى مع تكرار حوادث إطلاق النار العشوائي في محيط المدرسة وداخل ساحاتها.
يقول محمد: “بعد تكرار الإصابات داخل المدرسة وعلى أبوابها، منعتُ أطفالي من الخروج أو حتى اللعب في الساحة، لأنها مساحة مكشوفة، وأخشى أن تصيبهم رصاصة طائشة في أي لحظة. نحن هنا بلا أي وسيلة حماية”.
ويتابع، بصوتٍ يملؤه القلق والعجز: “نعيش خوفًا دائمًا على حياتنا، فجيش الاحتلال لا يفرّق بين مدني ونازح. الرصاص العشوائي وصل إلى مكان نزوحنا داخل مدرسة يُفترض أنها محمية بموجب القانون الدولي”.
ويشير محمد إلى أن رحلة النزوح التي بدأت من بيت لاهيا نحو جنوب القطاع كانت بحثًا عن الأمان، لكن هذا الأمان ظلّ وهمًا، حتى بعد توقف حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، مؤكدًا أن الخطر ما زال يلاحق العائلات النازحة في كل لحظة، سواء داخل الخيام أو المدارس، في ظل غياب أي ضمانات حقيقية للحماية.
ارتفاع مقلق بعد وقف النار
يؤكد مدير قسم المعلومات في وزارة الصحة بقطاع غزة، الدكتور زاهر الوحيدي، أن الفترة التي أعقبت توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر شهدت تصاعدًا مقلقًا في أعداد الشهداء والمصابين جراء إطلاق النار، ولا سيما الرصاص العشوائي الذي بات يصل إلى مناطق يُفترض أنها بعيدة نسبيًا عن خطوط التماس المباشر.
ويشير الوحيدي لـ”الترا فلسطين” إلى عدم توفر إحصائية دقيقة لضحايا الرصاص العشوائي، نتيجة عدم فصلهم في السجلات الرسمية عن شهداء الإطلاق المباشر، موضحًا أنه منذ 10 أكتوبر سُجّل ما مجموعه 464 شهيدًا، من بينهم 250 شهيدًا ارتقوا نتيجة إطلاق نار، شملت حالات عديدة في مناطق سكنية ومناطق نزوح بعيدة عن ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”.
ويشدّد على أن غالبية الضحايا هم من الأطفال والنساء، وغالبًا ما تكون الإصابات قاتلة، تتركّز في الرأس والصدر، لافتًا إلى أن طبيعة هذه الإصابات تدلّ على استخدام متعمّد للرصاص الحي داخل مناطق سكنية مكتظّة، ما يشكّل تهديدًا مباشرًا لحياة المدنيين وانتهاكًا جسيمًا لقواعد الحماية المفترضة لهم.
ويكشف الوحيدي أن من بين الحالات التي تم توثيقها استشهاد طفلة رضيعة تبلغ من العمر عامًا واحدًا في منطقة “فش فش”، إلى جانب استشهاد سيدة داخل خيمتها في منطقة مواصي خانيونس، واستشهاد طفلة أخرى في منطقة الفالوجا بجباليا، وهي جميعها مناطق بعيدة نسبيًا عن مناطق التماس، ما يعزّز خطورة هذا النمط من الاستهداف.
ويلفت الوحيدي إلى أن هذا النمط من إطلاق النار العشوائي لا يحمل أي طابع عسكري، بل يشكّل وسيلة ضغط وتنغيص ممنهجة على حياة المدنيين.
جريمة وفق القانون الدولي
يؤكد الباحث في القانون الدولي وحقوق الإنسان، حسين حماد، أن سقوط مدنيين في قطاع غزة جراء الرصاص العشوائي أو الطائش يشكّل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني، ويرقى في حالات عديدة إلى جريمة حرب.
ويوضح حماد أن إطلاق النار الذي يصيب مدنيين داخل خيام النزوح والمنازل والمدارس يُعد إخلالًا واضحًا بمبدأ التمييز المنصوص عليه في اتفاقيات جنيف، حتى في حال غياب النية المسبقة للقتل.
ويحمّل الباحث الحقوقي الاحتلال المسؤولية القانونية الكاملة، باعتباره قوة احتلال ملزمة بحماية السكان المدنيين، مشيرًا إلى أن تكرار هذه الحوادث واتساع نطاقها ينفي وصفها بـ”الأخطاء الفردية”، ويؤسس لنمط سلوكي يمكن توصيفه قانونيًا بـ”الاستخدام المفرط وغير المشروع للقوة”، بما يشكّل خطرًا مباشرًا على حياة المدنيين.
ويلفت إلى تصاعد الانتهاكات بعد ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، حيث لم تعد بعض الإصابات عشوائية، بل تركزت في مناطق قاتلة كالرأس والصدر، ما يدل على تعمّد الاستهداف في بعض الحالات.
وحول سبل المساءلة، يشير إلى أن هناك مسارات قانونية متعددة، أبرزها المحكمة الجنائية الدولية، حيث يمكن إدراج جرائم الرصاص العشوائي ضمن ملفات التحقيق المتعلقة بجرائم الحرب المرتكبة في الأراضي الفلسطينية، كما تشمل هذه المسارات محاكم إقليمية ودول تعتمد مبدأ الولاية القضائية العالمية، إضافة إلى آليات الأمم المتحدة، من خلال لجان التحقيق الخاصة والمقررين الخاصين ورفع التقارير إلى مجلس حقوق الإنسان والجمعية العامة.
ويدعو الضحايا وذويهم إلى التوجّه للمؤسسات الحقوقية لتوثيق الانتهاكات والانضمام إلى ملفات الشكاوى الجماعية الهادفة إلى محاسبة قادة وجنود الاحتلال على الجرائم المرتكبة بحق المدنيين في قطاع غزة.
المصدر: الترا فلسطين
