
الحكومة اللبنانية توجّه الجيش لعدم مواجهة توغل القوات الإسرائيلية
رغم الحراك الداخلي في لبنان للضغط على حزب الله لعدم تنفيذه استهدافات جديدة لإسرائيل بعد العملية التي أعلنها فجر أمس الاثنين، وتفعيل الاتصالات الدبلوماسية للضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها، خصوصاً بعد قرار الحكومة حظر أنشطة الحزب الأمنية والعسكرية، إلا أن الأخير أعلن، في ساعات الصباح الأولى اليوم الثلاثاء، سلسلة عمليات عسكرية ضد مواقع إسرائيلية، ليضرب بالمقرّرات عرض الحائط، بعدما أعلن أمس رفضه لها.
وتشكل هذه التطورات بنداً أساسياً على طاولة المسؤولين اللبنانيين، وسط تباينات ومشهديات غير مسبوقة تجلّت أمس في جلسة مجلس الوزراء. فإلى جانب عدم معارضة وزيري حركة أمل (يترأسها نبيه بري) المقررات الوزارية، بما يظهر خلافاً لافتاً بين الحليفين حول مقاربة الحرب، ولا سيما بعدما خرق حزب الله الضمانة التي أعطاها لبري بعدم الدخول فيها، دار، بحسب معلومات “العربي الجديد”، نقاش محتدم حول خطة الجيش اللبناني في حال حصول توغل إسرائيلي برّي.
وتبعاً للمعلومات، أيّد القسم الأكبر من المجتمعين عدم دخول الجيش اللبناني في مواجهة مع جيش الاحتلال، خصوصاً أن لا قدرات عسكرية كافية للقيام بذلك، الأمر الذي أثار امتعاض وزراء حزب الله، باعتباره أن الدولة تريد نزع سلاحه، بينما في المقابل تنسحب بوجه الإسرائيلي وتفتح له الباب للدخول واحتلال مناطق إضافية من لبنان. وبحسب المعلومات، عرض قائد الجيش اللبناني في الجلسة الوقائع الميدانية والتحديات القائمة، وطرح أسئلة عن طريقة تصرّف العناصر فيما لو حصل توغّل بري، والخيارات المطروحة، خصوصاً أن الجيش كان قد عزّز انتشاره في بعض المواقع، وأقام حواجز جديدة، وكثّف من انتشاره في الفترة الأخيرة، تنفيذاً لخطته بحصرية السلاح في قطاع جنوب نهر الليطاني، علماً أن الرئيس جوزاف عون كان قد أمر في وقتٍ سابقٍ بالتصدّي لأي توغل بري، فكان الجواب من السلطة السياسية بأنّ الوضع الآن لا يحتمل، وبعدم الدخول في مواجهة مع الجيش الإسرائيلي.
وتُرجمت هذه المستجدات كلّها اليوم ميدانياً، بحيث أعلن جيش الاحتلال أن قواته شرعت في عملية الدفاع الأمامي عن بلدات الشمال، و”بالتوازي مع نشاطه في إطار عملية “زئير الأسد”، تعمل قوات الفرقة 91 في منطقة جنوب لبنان، وتتمركز في عددٍ من النقاط الاستراتيجية في المنطقة”. وتقدّمت قوة إسرائيلية مؤلفة من دبابة وثلاث جرافات اليوم من مستعمرة المطلة وتوغلت باتجاه منطقة تل النحاس بين كفركلا وبرج الملوك، جنوبي لبنان، فيما سُجّلت توغلات إسرائيلية في عددٍ من البلدات، منها عيتا الشعب ويارون وتل النحاس، وذلك بعدما غادر الجيش اللبناني بعض مواقعه.
وقالت مصادر عسكرية لبنانية رفيعة لـ”العربي الجديد”، إن “الجيش اللبناني لم ينسحب من مواقع له على الحدود، بل يقوم بإعادة تموضع لعددٍ من النقاط المستحدثة بسبب التصعيد الإسرائيلي وذلك حفاظاً على سلامة العسكريين، الذين باتوا الآن في مراكز إمرة السرية التابعين لها”.
واستأنف حزب الله صباح اليوم عملياته ضد مواقع عسكرية إسرائيلية، ليؤكد بذلك دخول دوامة الحرب فعليّاً بعد نحو 15 شهراً على إعلان وقف إطلاق النار، ما يفتح باب التساؤلات عن مصير المعركة “الجديدة” التي، وفق المؤشرات الميدانية، ستختلف عن سابقاتها، في ظلّ تغيير إسرائيل معادلاتها، بضرباتٍ أكثر عنفاً، وتوسّعاً، وكثافة، إلى جانب تمركزها في نقاط استراتيجية جنوباً، وسط حديث عن توسعة احتلالها أراضيَ لبنانية.
سياسياً، عرض الرئيس جوزاف عون المستجدات الأمنية مع سفراء اللجنة الخماسية، التي تضم الولايات المتحدة وقطر وفرنسا والسعودية ومصر، ووضعهم في تفاصيل المقررات الوزارية التي اتخذت أمس. ولفت عون إلى أن القرار الذي اتخذه مجلس الوزراء أمس “بحفظ حق الدولة اللبنانية وحدها دون غيرها في حصر قرار السلم والحرب بيدها، وحظر النشاطات العسكرية والأمنية الخارجة عن القانون، هو قرار سيادي ونهائي لا رجوع عنه”، مؤكداً أن “مجلس الوزراء أوكل إلى الجيش والقوى الأمنية تنفيذه في كل المناطق اللبنانية”.
وطلب عون من دول اللجنة الخماسية الضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها على لبنان، مؤكداً “ما اتخذه مجلس الوزراء من التزام لبنان التام والنهائي بمندرجات الإعلان عن وقف الأعمال العدائية بما يصون السلم والاستقرار، إضافة الى الاستعداد الكامل لاستئناف المفاوضات في هذا الشأن بمشاركة مدنية ورعاية دولية”. وقال: “لبنان يعوّل كثيراً على دعم دول اللجنة الخماسية التي سبق أن وقفت إلى جانبه، وكان لها الدور الأساسي في وقف التدهور الأمني، وإنهاء الشغور الرئاسي، كما واصلت دعمها في استعادة المؤسسات الدستورية لدورها كاملاً، من خلال الحرص الذي أبدته على استقرار لبنان وسلامته، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن استقرار دول المنطقة هو من استقرار لبنان”.
وأكد الرئيس اللبناني أن إطلاق الصواريخ أمس في اتجاه الأراضي المحتلة “كان من خارج منطقة جنوب الليطاني التي ينتشر فيها الجيش اللبناني، والذي يقوم بدوره كاملاً في هذه المنطقة وفي غيرها من المناطق اللبنانية”.
وكان مجلس الوزراء اللبناني، قد أعلن، أمس الاثنين، حظر أي نشاط أمني أو عسكري لحزب الله وحصر مجال عمله بالشق السياسي، وذلك بعد جلسة طارئة عقدتها الحكومة برئاسة عون، وحضور قائد الجيش رودولف هيكل. في المقابل، هاجم حزب الله قرار مجلس الوزراء وقال في بيان لرئيس كتلته النيابية “الوفاء للمقاومة” محمد رعد: “نتفهم حق الحكومة اللبنانية في اتخاذ قرارات تتعلق بالحرب والسلم، لكن لا يحق لها فرض قيود على اللبنانيين الرافضين للاحتلال”.
من جانبه، قال السفير المصري علاء موسى بعد اللقاء، إن “عون عرض خلال الاجتماع تقييماً شاملاً للأوضاع الراهنة، مقدّماً رؤيته لكيفية تعامل لبنان مع المستجدات، ولا سيما في ما يتعلّق بمقررات جلسة مجلس الوزراء الأخيرة”. وأشار موسى إلى أن “البحث تناول دور اللجنة الخماسية والدول المعنية بالمساهمة في تجنيب لبنان مزيداً من الأضرار، في ظل الظروف الدقيقة التي تمر بها المنطقة”. كذلك، جرى التطرق إلى عمل الجيش اللبناني في المرحلة المقبلة، والإجراءات والتدابير المتخذة لدرء التداعيات المحتملة والحفاظ على الاستقرار، وقد أكد موسى “دعم الدول الخمس للدولة اللبنانية في هذه المرحلة الحساسة، مع التشديد على ضرورة الالتزام بمقررات الحكومة واحترامها، ورفض أي إجراء من شأنه المساس بحصرية قرار الدولة اللبنانية في السلم والحرب أو الانتقاص من سيادتها”.
وشدد موسى على أن “المسار الدبلوماسي يبقى الخيار الأساس والملاذ الأهم في المرحلة الراهنة”. وحول مؤتمر دعم الجيش وقوى الأمن الداخلي الذي كان مقرّراً انعقاده في باريس في 5 مارس/ آذار الحالي، قال موسى إن التأجيل حصل بسبب الظروف الحالية، على أن يُعقد في فرنسا في شهر إبريل/ نيسان المقبل، مع تأكيد استمرار الدعم الدولي للجيش اللبناني، مشدداً على أن “الجميع مدعو إلى العمل من أجل تهدئة الأجواء وتجميد التصعيد القائم”.
ورداً على سؤال عن موقف رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري من مقررات الحكومة، ولا سيما بشأن حظر نشاط حزب الله العسكري والأمني، قال موسى: “استفسرنا من عون عن أجواء مقررات أمس، وهناك تأكيدات بأن الرئاسات الثلاث تدعمها بشكل كامل، وهذا يؤكد أن لا تناقضات في المواقف”.
المصدر: العربي الجديد
