في ليالي العشر الأواخر من رمضان، حين يشتد الشوق للصلاة وتزدحم ساحات العبادة بالرجاء والدموع، تقف أبواب المسجد الأقصى هذه المرة موصدة في وجه المصلين، مشهد غير مسبوق منذ احتلال القدس عام 1967؛ مآذن صامتة في وقت كان يفترض أن يتعالى فيه صوت التراويح، وساحات خالية من آلاف العابدين الذين اعتادوا إحياء هذه الليالي المباركة.
وبينما ينتظر الفلسطينيون كل عام هذه الأيام ليشدّوا الرحال إلى الأقصى، جاءت قرارات الاحتلال لتكتب سابقة جديدة في سجل القيود على المسجد، وتحرم المصلين حتى من صلاة التراويح في العشر الأواخر من رمضان.
الباحث في شؤون القدس، عبد الله معروف، يقول إن مع غروب شمس اليوم الأحد تبدأ ليالي العشر الأواخر من رمضان في فلسطين المحتلة.
وأكد أن استمرار إغلاق المسجد الأقصى سيجعل هذه الليالي الأولى من نوعها منذ احتلاله عام 1967 التي يُمنع فيها المسلمون حتى من أداء صلاة التراويح بقرار مباشر من سلطات الاحتلال.
وأوضح أن الاحتلال سبق أن منع الاعتكاف في العشر الأواخر كاملة في عامي 1967 و1968 بعد احتلال الأقصى مباشرة، كما حاول على مدى عقود لاحقة منع الاعتكاف في معظم ليالي العشر الأواخر، قبل أن تفرض إرادة المرابطين وجودهم في تسعينيات القرن الماضي.
وأشار “معروف” إلى أن الاحتلال منع الاعتكاف عام 2014 خلال الحرب على غزة، لكن منع صلاة التراويح بحد ذاته لم يحدث من قبل.
وأضاف أن إغلاق الأقصى بهذه الطريقة تحت ذرائع مثل “إجراءات الطوارئ” و”السلامة العامة” يمثل سابقة خطيرة، واصفًا إغلاق المسجد بأنه “عمل حربي بأدوات ناعمة”، مشددًا على أن إغلاق الأقصى هدف مُبيّت يجب إفشاله.
ولفت إلى أن إغلاق الأقصى في العشر الأواخر من رمضان عام 2020 خلال جائحة كورونا كان بقرار من مجلس الأوقاف الإسلامية بتعليق الصلاة بسبب الجائحة، ولم يكن بقرار من شرطة الاحتلال كما يحدث الآن.
وبيّن أن صلاة الجمعة التي مُنعت أمس بقرار الاحتلال كانت الخامسة في تاريخ المسجد الأقصى منذ احتلاله، موضحًا أن المرات الأربع السابقة لم تكن في شهر رمضان، ما يجعل منع صلاة الجمعة في رمضان للمرة الأولى منذ عام 1967.
ونوه إلى أن الاحتلال أغلق الأقصى في بداية الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، حيث اقتحم جنود الاحتلال المسجد وطردوا المصلين وأغلقوا بواباته وأعلنوا إغلاقه لأجل غير مسمى تحت عنوان “السلامة العامة”، وبعد ذلك اقتحمت قوات الاحتلال مسجد الشيخ لولو ومنعت صلاة التراويح فيه.
وأوضح أن الحجة التي قدمها الاحتلال لإغلاق الأقصى هي الحفاظ على المجتمع ومنع التجمعات، إلا أن الهدف الأساسي يتمثل في منع التجمعات الدينية الخاصة بالفلسطينيين في القدس.
وأكد أن الاعتداءات على الأقصى لم تتوقف منذ بداية شهر رمضان، إذ بدأ الاحتلال بالتعامل مع المسجد بتشديد غير مسبوق على دخول المصلين، ومنع أعداد كبيرة من الفلسطينيين من الوصول إليه.
وبيّن أن الأعداد التي كانت تصل إلى الأقصى في صلاة التراويح ليست إنجازًا بحد ذاتها، إذ إن الأيام العادية كانت تشهد حضور أكثر من 60 ألف مصلٍ، ما يعني أن تقليص هذه الأعداد بشكل كبير يعكس وجود قيود ومشكلة حقيقية.
وتداول فلسطينيون في بداية رمضان مقاطع فيديو لجنود الاحتلال وهم يفتشون الشبان الفلسطينيين الراغبين في دخول الأقصى فردًا فردًا، وهو ما اعتبره معروف محاولة من الاحتلال لتكريس نفسه سلطة وحيدة تتحكم في فتح المسجد وإغلاقه.
وأوضح أن الأزمة تصاعدت بين دائرة الأوقاف الإسلامية وسلطات الاحتلال بعد مطالبة شرطة الاحتلال لرئيس مجلس الأوقاف بالمثول بطريقة مهينة في مركز القشلة، وهو ما رفضه رئيس المجلس.
وعلى إثر هذا الرفض، شدد الاحتلال إجراءاته، فقام بمنع إدخال المظلات والشوادر المؤقتة إلى الأقصى، ومنع إدخال وجبات الإفطار في الأيام التي كان فيها المسجد مفتوحًا، كما منع إدخال وجبات السحور للحراس والعاملين في الأقصى.
ومنع الاحتلال فتح العيادة الوحيدة داخل المسجد وتجهيزها بما يلزمها، ومنع أي إجراء يتعلق بإدارة شؤون المسجد خلال رمضان.
وأشار معروف إلى ورود تقارير عن اعتقال شبان من داخل الأقصى، وفي إحدى الحالات اقتحم جنود الاحتلال المسجد القبلي بالأحذية أثناء الصلاة واعتقلوا بعض الشبان وفرضوا عليهم قرارات منع من دخول الأقصى.
ويرى معروف أن هذه الإجراءات كانت تمهيدًا لإغلاق الأقصى، مؤكدًا أن القرار كان مخططًا له مسبقًا ولم يكن وليد اللحظة، خاصة مع تزامنه مع التخطيط الإسرائيلي للهجوم على إيران بالتنسيق مع الولايات المتحدة.
وذكر أنه في يونيو الماضي، خلال المواجهة الأولى بين إيران والاحتلال، انتشر فيديو لحاخام إسرائيلي أعيد تداوله مؤخرًا دعا فيه إلى معجزة تتمثل في ضرب الأقصى بالخطأ أو الادعاء أن إيران هي من قصفته وتدميره.
وحذر معروف من أن استهداف الأقصى ليس بعيدًا عن مخططات الاحتلال، مؤكدًا أن يقظة المقدسيين وكشف هذه المخططات أمام العالم هو ما قد يمنع حدوث ذلك.
وشدد على أن أي أذى قد يصيب الأقصى فإن الاحتلال يتحمل مسؤوليته الكاملة باعتباره الجهة التي تسيطر على المسجد، داعيًا الفلسطينيين إلى أعلى درجات اليقظة خشية استغلال الأحداث لارتكاب عمل خطير في المسجد.
وفي السياق ذاته، نشر مستوطن ناشط في جماعات فتية التلال وجماعات المعبد منشورًا يشمت فيه بإغلاق الأقصى أمام المسلمين، معبرًا عن أمله في أن يُفتح المسجد لاحقًا لدخول اليهود المقدسين فقط، وهو ما يثير مخاوف متزايدة لدى الفلسطينيين.
كما ذكّر معروف بأن وزير العدل الإسرائيلي وعد المستوطنين في ديسمبر الماضي بزيادة ساعات اقتحام الأقصى، وهو ما بدأ الاحتلال بتنفيذه بالفعل مع بداية رمضان عبر زيادة ساعة إضافية لاقتحامات المستوطنين.
ويرى أن هذه الخطوة شديدة الخطورة لأنها تعني أن الاحتلال هو من سيقرر متى وكيف يُفتح الأقصى وبأي ترتيبات، بدلًا من دائرة الأوقاف الإسلامية المسؤولة عنه.
وأكد معروف أن الشعب الفلسطيني قادر على مواجهة هذه المخططات بإرادته الشعبية، خاصة في ظل حالة الهشاشة والانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي.
وأضاف أن الاحتلال يعتبر قضية المسجد الأقصى وحساسيتها كابوسًا بالنسبة له في ظل الحرب مع إيران، ولذلك أقدم على إغلاق المؤسسات الإعلامية المتخصصة بشؤون الأقصى، في محاولة لصرف الأنظار عما يجري في هذا المكان المقدس.
المصدر: سند