تتكشف في قطاع غزة أبعاد جديدة لنمط استهداف ممنهج يطال العاملين في المجال الإنساني لدى الأونروا في غزة، حيث رُصدت مؤخراً حالات اغتيال وقصف مباشر نفذها جيش الاحتلال، ضد موظفين سابقين في وكالة الغوث الأونروا في غزة، بُعيد مدة قليلة من إبلاغهم بقرارات فصلهم تعسفيًا.
وتكشف التغطيات الصحفية الميدانية، عن موجات متتالية من قرارات الفصل اتخذتها إدارة الوكالة، بحق عشرات الموظفين والمعلمين في الأونروا في غزة، بناءً على قوائم ومزاعم أمنية كاذبة.
هذه المزاعم تسلمتها من سلطات الاحتلال، دون إتاحة الفرصة للموظفين للدفاع عن أنفسهم، أو إخضاع تلك المزاعم لتحقيق مستقل.
ورغم قول الوكالة، إن هذه القرارات جاءت كإجراءات احترازية متعلقة بالسلامة، ولا تشكل إدانة قاطعة، إلا أن مخرجاتها الميدانية، أسفرت عن تجريد الموظفين من الحماية الدولية وصفتهم الأممية، وتركهم عرضة للاستهداف المباشر.
ولا تنفصل هذه المخاوف عن الواقع الميداني الذي ينكشف يومياً؛ حيث يندرج الاستهداف الأخير للموظفين المقالين ضمن قوافل طويلة من شهداء الأونروا في غزة الذين سقطوا خلال الحرب، ومن بينهم كوادر تعليمية وإغاثية بارزة استُشهدت أثناء عملها أو في منازلها.
ومن موظفي الوكالة الذين تم استهدافهم، المعلم إسماعيل مطلق، والمهندس عبد الله التتري، ومحمد عبد الناصر الخطيب الذي نعاه اتحاد الموظفين العرب في الوكالة حديثاً.
وجاء استشهاد الخطيب جراء استهداف مباشر، عقب وقت قصير من إنهاء خدماته استناداً إلى ما وصفه الاتحاد بالادعاءات الباطلة والمجردة من الأدلة.
المسؤولية وأصابع الاتهام
وحمّل البيان سلطات الاحتلال المسؤولية الكاملة عن الاغتيال.
وشدد على أن استهداف كوادر الأونروا -سواء كانوا على رأس عملهم أو بعد إنهاء عقودهم- يمثل خرقاً صريحاً للقانون الدولي الإنساني.
ودعا إدارة الوكالة إلى التوقف عن الاستجابة للضغوط، والنهوض بمسؤولياتها الأخلاقية والقانونية لحماية موظفيها وصون حقوقهم ومنع استخدام القرارات الإدارية كغطاء لتسويغ الجرائم الميدانية.
وفي هذا السياق، وضع رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، رامي عبده، الإشارات الحقوقية الأبرز حول هذه الاستهدافات والفصل.
ويقول لوكالة “صفا”، إن “استهداف موظفي وكالة الأونروا بعد فصلهم عن العمل يأتي ضمن نمط أوسع من استهداف العاملين في المجال الإنساني في قطاع غزة، ضمن إبادة جماعية شاملة، وهو نمط وثّقه المرصد مراراً منذ بدء حرب الإبادة الجماعية”.
ويتابع “والأونروا نفسها تحدثت عن استشهاد المئات من موظفيها، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ عمليات الأمم المتحدة الإنسانية عالمياً، إلى جانب الاستهداف الممنهج للمؤسسات التابعة لها”.
ويشدد على أن استهداف الموظفين، يأتي في سياق تعلن فيه “إسرائيل” حرباً على الوكالة الأممية، التي تحظى برمزية لا يمكن تجاوزها في ملف اللاجئين الفلسطينيين، والسعي لإنهاء وجودها بالكامل.
كما قال “بخصوص حالات الفصل التي طالت عشرات الموظفين، جاءت بالأساس استناداً إلى اتهامات إسرائيلية دون أي أدلة يمكن التحقق منها بشكل مستقل، وهو ما أقرت به الوكالة الأممية ذاتها”.
ويوضح “هذا الإقرار جاء، حين أوضحت الوكالة، أن قرار الفصل لا يشكل تأكيداً لصحة تلك الاتهامات، وإنما إجراء احترازي متعلق بالسلامة”.
ولكن عبده، يشدد أيضاً، على أنه وبدون شك عند متابعة التسلسل الزمني، اتهام إسرائيلي غير موثق، يليه فصل تعسفي من الوكالة، ثم استهداف واغتيال الشخص لاحقاً، يخلق ذلك نمطاً يثير قلقاً جدياً حول ما إذا كانت آلية الاتهام والفصل تستخدم كأداة تمهيدية لإعدامات خارج أي إطار قضائي.
دور الاتهامات الغير مثبتة
ومن منظور حقوقي، يفيد عبده “أنه قد لا يمكن تحميل الأونروا مسؤولية الفعل الإسرائيلي نفسه، فالوكالة ليست الجهة القاتلة، ولا تملك أصلاً القدرة على حماية موظفيها لأنها، والفصل بالأساس بناء على مزاعم إسرائيلية”. واستدرك “لكن هذا لا يعفي من طرح سؤال جوهري حول الأثر العملي لقرارات الفصل السريعة وغير المدعومة بتحقيق مستقل وشفاف”.
وقال أيضًا “إن فصل مجموعة من الموظفين بناءً على مزاعم واتهامات غير مثبتة، يمنحهم فعلياً صفة المشتبه بهم في الفضاء العام دون أي حماية قانونية، بينما يبقى الاحتلال هو من يستثمر هذه الصفة لاحقاً لتبرير استهدافهم”، هذا رغم أن الاحتلال بالأساس صاحب الاتهام الذي لم يثبت، وفق عبده.
كما يقول “على أية حال القتل لا يقتصر على هؤلاء الموظفين، فهناك أكثر من 400 من موظفي الأونروا قتلتهم إسرائيل ضمن مقتلة واسعة طالت نحو 75 ألف فلسطيني”. وينوه على أن كل ذلك، يستوجب تشكيل هيئة خبراء رفيعة المستوى للتحقيق في قتل موظفي الوكالة، وهو مطلب سبق أن طالبت به المنظمة الأممية.
ويستطرد “هذه مطالبة تؤكد أن المستويات العليا في المنظمة الأممية، تدرك حجم الإشكالية القائمة، حتى وإن لم تكن هي الجهة المسؤولة عن القتل”. ويعتقد عبده، أن المسؤولية الأساسية في هذه الجريمة تقع على عاتق “إسرائيل”، باعتبارها سلطة الاحتلال الملزمة بموجب القانون الدولي الإنساني بحماية العاملين في المجال الإنساني.
ويكمل “أي اتهامات موجهة لموظفي الأونروا، يجب أن تحال إلى آليات تحقيق مستقلة ودولية، لا أن تترجم مباشرة إلى فصل إداري يليه استهداف وقتل ميداني”. ويحذر من تحويل الاتهام غير الموثق إلى مبرر كاف للفصل التعسفي ثم للاستهداف بما يرسّخ حالة من الإفلات الكامل من العقاب، ويصبح القتل خارج نطاق القانون مغطى بغطاء إداري شكلي يصعب الطعن فيه لاحقاً.
ويرى المرصد، أن غياب تحقيقات مستقلة وشفافة في كل حالة استهداف يعني تكرار النمط دون رادع، وهو ما يستدعي، تشكيل آلية تحقيق دولية مستقلة عاجلة، ومطالبة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بالضغط لضمان حماية فعلية للعاملين الإنسانيين.
المصدر: صفا