تزدحم مستشفيات قطاع غزة بمراجعين من فئاتٍ عمرية مختلفة، غالبيتهم من الأطفال، نتيجة مرضٍ أثقل أجسادهم واختلف الأطباء في تشخيصه بين “فيروس غامض” و”عدوى بكتيرية مجهولة”، وهو خلافٌ يعود إلى انعدام الإمكانات اللازمة للتشخيص، مع استمرار الحصار الخانق رغم مرور أكثر من 100 يوم على وقف إطلاق النار.
يُشخّص مدير مستشفى الشفاء، الطبيب محمد أبو سلمية المرض بأنه “فيروسٌ غامضٌ شديد الشراسة”، مبينًا أنه يهدد حياة الجميع من دون استثناء، إذ تُسجل المستشفيات حالات وفاة يومية من مختلف الفئات العمرية
وبحسب بيانات رسمية صادرة عن مستشفياتٍ في جنوب القطاع وشماله، فإن الانتشار المقلق للمرض المجهول تسبب في إصابة الآلاف، الذين يعانون أساسًا من تدني في المناعة جراء تداعيات الحرب والحصار والتجويع، وأسفر ذلك عن وفاة عدد غير محدد منهم.
وأدى تفشي هذا المرض إلى تفاقم الواقع المتردي للمستشفيات المنهارة أصلاً، وتكابد من أجل استمرارية خدماتها، بعد عامين من حرب الإبادة الإسرائيلية، كانت المنظومة الصحية خلالهما في قلب بنك أهداف الاحتلال.
طوابير مرضى وإمكانات متواضعة
أمضت تهاني أحمد ساعات طويلة في طابورٍ مزدحمٍ بالمراجعين في مستشفى الشفاء بمدينة غزة، في انتظار الوصول بطفلها أيمن (5 أعوام) إلى أحد أسرّة الفحص القليلة في قسم الاستقبال والطوارئ بالمستشفى.
في هذا القسم، الذي أعادت إدارة المستشفى افتتاحه قبل بضعة أشهر، تتجسد الأوجاع على الوجوه الشاحبة، ويتردد صدى سعالٍ جافٍ في كل زاوية، ويُسمَع فيه أنين الألم من الرجال والنساء والأطفال، فيما العيون ترنو إلى أطباء وممرضين ينتقلون من مريض إلى آخر.
وبعد طول انتظار، حظيت تهاني أخيرًا بجهاز تبخيرة ساعد طفلها في تهدئة أنفاسه. تقول: “قضيت الليلة بأكملها إلى جواره، والقلق يكاد يقتلني عليه. كان يتنفس بصعوبة، ويسعل وكأنه يُخرج الروح من بين ضلوعه فينتزع روحي معه”.
تهاني (44 عامًا) أمٌ لخمسة أطفال، تعيش مع أسرتها في خيمةٍ باليةٍ قرب شاطئ البحر غرب مدينة غزة، ومثل بقية الخيام في قطاع غزة فهي لا تقيها وأطفالها الرياح والأمطار، فأصابت الإنفلونزا جميع أطفالها منذ بداية فصل الشتاء.
وتعاني تهاني نفسها من هزالٍ شديد، لكنها تتحامل على نفسها من أجل أطفالها ورعايتهم بمفردها، بعد استشهاد زوجها في الشهور الأولى لحرب الإبادة.
تقول تهاني إنها تنظر يوميًا بعجزٍ لأطفالها والبرد يُنهك أجسادهم، وتضمهم واحدًا تلو الآخر، فهي لا تملك لهم وسيلة للتدفئة سوى حضنها، فيما الرياح تتلاعب بالخيمة المتهالكة. وتضيف بحسرة: “الخيمة مجرد قطعةٍ من القماش لا تحمينا من شيء، ومع فصل الشتاء تزداد قسوة الطقس علينا، وتدهم أجسادنا الأوبئة والأمراض”.
فيروس شرس ولكن ليس كورونا
ويُشخّص مدير مستشفى الشفاء، الطبيب محمد أبو سلمية المرض بأنه “فيروسٌ غامضٌ شديد الشراسة”، مبينًا أنه يهدد حياة الجميع من دون استثناء، إذ تُسجل المستشفيات حالات وفاة يومية من مختلف الفئات العمرية.
وأمام تدفق أعداد هائلة من المصابين بهذا المرض، تعجز الطواقم الطبية عن تقديم العلاجات المناسبة، أو تحديد طبيعته بسبب النقص الحاد في التحاليل المخبرية والمعدات التشخيصية، بحسب حديث أبو سلمية لـ”الترا فلسطين”.
ويوضح أبو سلمية أن “الفيروس”، وفق تشخيصه، يتّسم بشراسة غير معهودة، وتمتد فترة الإصابة به إلى أسبوعين بدل أسبوع واحد، مصحوبة بارتفاعٍ حادٍ في درجات الحرارة، وآلام شديدة في المفاصل، والتهاباتٍ رئويةٍ حادة.
ولا تقتصر الوفيات الناجمة عنه -وفقًا لأبو سلمية- على المسنين وذوي الأمراض المزمنة، بل إن ضحاياه من الشبان والشابات والنساء الحوامل، جراء مضاعفات الإصابة، مشيرًا إلى “تدهور المناعة العامة لدى سكان قطاع غزة نتيجة المجاعة الممنهجة وسوء الأحوال الجوية في الخيام، وهذا فاقم من خطورة الوضع”.
وأضاف أن غياب اللقاحات التي تمنع دولة الاحتلال دخولها إلى قطاع غزة، وحرمان المستشفيات من الأدوية والمستلزمات الطبية، جعل المنظومة الصحية عاجزة عن مواجهة التدفق الكبير للمرضى، ما ينذر بكارثة صحية أعمق.
ربما عدوى بكتيرية
وعلى مدار الأسبوعين الماضيين، يستقبل قسم الاستقبال والطوارئ في مستشفى الشفاء يوميًا أكثر من 500 مريض، منهم نحو 200 مريض يعانون أمراضًا تنفسية حادة. ويوضح رئيس القسم الطبيب معتز حرارة أن من أبرز أعراضها ارتفاع الحرارة وضيق التنفس والسعال الجاف وآلام الصدر والمفاصل والإسهال والإرهاق الشديد.
ويفسر حرارة، في حديثه لـ “الترا فلسطين”، عدم قدرة الطواقم الطبية على تحديد طبيعة المرض بانعدام الإمكانيات اللازمة من أجهزةٍ ومواد فحص مخبرية، لكن المؤكد أنه ليس “فيروس كورونا” ولا إنفلونزا معتادة، “فالأعراض أصعب، وتتفاوت درجتها من مريض إلى آخر بحسب قوة المناعة لديه، إذ إن بعضهم يُشفون من المرض خلال بضعة أيام، فيما تستدعي حالة البعض المبيت في المستشفى” وفقًا له.
ولا يقتصر هذا الضغط الشديد من المصابين بالمرض المجهول على مستشفى الشفاء، فجميع مستشفيات قطاع غزة تواجه ضغطًا هائلاً في أعداد المراجعين والمصابين بما باتوا يطلقون عليها شعبيًا “إنفلونزا عظام حادة”.
ويشخص مدير مستشفى الرنتيسي للأطفال في مدينة غزة، الطبيب جميل سليمان، المرض المتفشي بأنه “عدوى بكتيرية مجهولة” وليس “فيروسًا”، مؤكدًا أن هذه العدوى تسببت حتى اللحظة بإصابة الآلاف، وتسجيل عددٍ من الوفيات، خصوصًا في أوساط الأطفال.
يشخص مدير مستشفى الرنتيسي للأطفال في مدينة غزة، الطبيب جميل سليمان، المرض المتفشي بأنه “عدوى بكتيرية مجهولة” وليس “فيروسًا”
ويشدد سليمان، في حديث لـ”الترا فلسطين”، على أن العدوى ليست ناتجة عن متحور جديد من “فيروس كورونا”، ويعتقد أنها بكتيريا سريعة الانتشار، “وما يعمق من انتشارها وآلامها معاناة أغلبية الغزيين من ضعف المناعة جراء فترات التجويع التي عايشوها خلال الحرب، خصوصًا العام الماضي” وفق قوله.
ويستقبل مستشفى الرنتيسي بصورةٍ يوميةٍ ما بين 250 و450 مريضًا، غالبيتهم من الأطفال، يعانون من التهابات حادة في الجهاز التنفسي. ويشير سليمان إلى أن كثيرًا من الأطفال يصلون المستشفى في وضعٍ خطيرٍ يستدعي إدخالهم لأقسام العناية المكثفة، التي تعمل في الوقت الحالي بأكثر من طاقتها وبإمكانيات محدودة ومتواضعة.
المصدر؛ الترا فلسطين

