الأخبارمحليات

ماذا عن “جيل التيك توك” في الداخل المحتل؟

”شبابنا ملاح٬ فوق ال95% من شبابنا ملاح٬ الطريق لمن صدق وليس لمن سبق“ هذا الحديث يظهر في أحد مقاطع الفيديو التي انتشرت كالنار في الهشيم وتناقلها رواد مواقع التواصل كافة،   من خطبة الجمعة في باقة الغربية عبر الخطيب حسني لحام عن اعتزازه وفخره بشباب القدس لما قدموه في الهبة الأخيرة ليقول لكل من يزاود عليهم إنهم صادقون في الدفاع عن مسجدهم فلا يألون جهداً في مواجهة غطرسة المحتل فدخلوا القدس كالفاتحين منتصرين رافعين هامتهم كالجبال، يهتفون ويكبرون أمام أعين شرطة الاحتلال المهزومة المذلولة فهم من قادوا المعركة يستحقون وسام شرف الدفاع ليس فقط عن المقدسات وإنما عن كرامة أمة بأكملها.

منذ عام 67، يحاول الاحتلال تغيير واقع الشباب الفلسطيني في الداخل المحتل بشتى الوسائل والطرق المباشرة وغير المباشرة؛ لسلخ هويتهم وسلبها، وإبعادهم عن القضية، لتفادي أيّ ردة فعل وانخراط في أيّ هجمة أو عدوان يمارسه ضد الفلسطينين خارج الخط الأخضر، فهل نجح الاحتلال في ذلك؟

لم يتوقع الاحتلال بعد كل هذه السنوات التي قضاها في تنفيذ حملاته الممنهجة، وصرف الميزانيات الضخمة، وتطبيق المنهاج الإسرائيلي، وتشويه وتحريف التاريخ لغسل أدمغة الشباب والأطفال المقدسيين، وأن يكون الداخل المحتل مركزًا للصراع وموقعًا لإشعال الهبات الفلسطينية، ففي كل هبة تكون القدس هي البوصلة ومحطة الوقود التي تزود الضفة الغربية وغزة وحتى الشتات للاشتعال والانتفاض في وجه المحتل، فالقدس هي النقطة المركزية والعقيدة الأولى للكل الفلسطيني.

تغيرت المعادلة واختلفت الموازين، في كل مرة يثبت الشباب المقدسي والداخل المحتل أنه قادر على الدفاع عن قضيته، وخصوصًا إذا تعلقت بالقدس والمسجد الاقصى، فشاهدنا في الهبة الأخيرة قبل أسابيع كيف استطاع الشباب أن يرغم الاحتلال على إزالة البوابات الحديدية في باب العامود التي من شأنها أن تعيق وصول الفلسطينيين إلى المسجد الأقصى وأداء العبادات، كيف رفضوا محاولة المحتل تهويد حيّ الشيخ جراح الذي كان ينوي الاحتلال تهجير سكانه وإحلال المستوطنين بدلًا منهم، ثم دفاعهم عن المسجد الأقصى فيما يسمى يوم “توحيد القدس” الذي كان من المقرر في حينه أن يقتحم أكثر من 30 ألف مستوطن المسجد الأقصى والاحتفال في أكثر الشهور قداسةً عند المسلمين- شهر رمضان المبارك-.

لعلنا جميعًا شاهدنا مقاطع الفيديو التي انتشرت على مواقع التواصل كافة، كيف وقف المقدسيون إلى جانبهم أهالي الضفة الغربية ممن استطاعوا الوصول إلى المسجد الأقصى في وجه كل هذا الظلم، واستطاعوا أن يمنعوا الاحتلال ومستوطنيه من اقتحام الأقصى واستطاعوا أن يفشلوا بالفعل مخططاته في تهويد المسجد الأقصى وحيّ الشيخ جراح.

كيف استطاعوا؟ استطاعوا من خلال التسلّح بالإيمان في أعماقهم والعناد في عقولهم، فكانوا يسهرون الليالي لحماية المقدسات ويتصدون بصدورهم العارية وبدعائهم وهتافهم بالقسم على حماية المسجد الاقصى بأنفسهم وأرواحهم ودمائهم، كانوا يدافعون بكل ما أوتوا من قوة.

أمام هذا الاستبسال في الدفاع عن القدس والمسجد الأقصى، توحش المحتل أكثر فأوقع عشرات الإصابات خلال المواجهات التي تركزت في الرأس والأعين والوجه، كان يظهر جلياً أن الاحتلال تعمد إصابتهم في هذه المناطق ليشوه ويشل ويسبب الإعاقة، فكثيراً منهم فقدوا إحدى أعينهم، لكنهم وأمام هذا البطش والعنفوان استمروا في الدفاع عن المسجد الأقصى.

من المواقف التي تظهر استبسال وعناد المقدسيين في الدفاع عن قضيتهم يروي شهود عيان أن منهم أصيبوا بشكل مباشر بالرصاص المطاطي وقنابل الغاز والصوت لكنهم رفضوا مغادرة ساحات المسجد والتوجه لمراكز العلاج واستمروا رغم إصابتهم بالمضي قدماً ومجابهة المحتل.

شاهدنا كيف هب الشباب ليل نهار في اللد والناصرة وأم الفحم والجليل ويافا وهتفوا أن لا لتهويد القدس، لا لتهجيرالشيخ جراح، لا للاقتحامات، نريد القدس حرة عربية، فارتقى محمد حسونة  في اللد ومحمد كيوان في أم الفحم.

إن مشهد الإضراب الذي خاضته فلسطين من البحر إلى النهر في الثامن عشر من مايو لأول مرة بعد انتفاضة القدس والأقصى عام 2000 لهو مشهد وحدوي يؤكد على ترابط وتلاحم وحدة الشعب الفلسطيني، ويعكس بالأساس خوض معركة الوجود.

إذاً، بعد كل الذي شاهناه من استبسال في الدفاع عن القضية والعقيدة والهتاف في الباحات للأقصى والمقاومة علانية أمام أعين الاحتلال وعلى الشاشات، فإن ذلك يبرهن أن الاحتلال لم يستطع تحقيق أهدافه التي رسمها على مدار كل هذه السنوات في سلخ المقدسيين عن هويتهم من خلال إغراق الداخل المحتل بالجريمة والمخدرات وحرفهم عن القضية حتى باتوا يعرفوا “بجيل التيك توك”، بل على العكس في كل مرة وحيث تكون القدس هي البوصلة بدءًا بهبة أبو خضير عام 2014، وهبة القدس عام 2015، والبوابات الإلكترونية عام2017، مرورًا بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس عام 2018، ومؤخرًا هبة باب العامود والشيخ جراح، أثبت المقدسيون في حراكاتهم أنهم صنّاع التغيير وقادرين على قلب الموازين ورجح الكفة لصالحهم وأن سلخهم عن قضيتهم وفصلهم عن الكل الفلسطيني، واعتبارهم مواطنين إسرائيلين لأمرٍ في غاية الصعوبة لا يمكن تحقيقه، فهم جزء لا يتجزأ من فلسطين التاريخية، جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني الثائر لا يمكن فصله، وتبقى القدس جوهر القضية ومفصلها.  

كتبت: ساجدة بني شمسة

زر الذهاب إلى الأعلى
تلفزيون المدينة

مجانى
عرض