الأخبار

موائد ثكلى .. هكذا آتى رمضان على عوائل الشهداء

“إنهم قتلوا أطفالي، شبح الحرب ما زال يحاصرني بعد فقداني زوجتي وأطفالي”، بهذه الكلمات بدأ محمد الحديدي حديثه عن فقدانه عائلته المكونة من خمسة أفراد.

ويتابع في توصيفه للمشهد الدامي: “استهدافات في كل مكان، سماء حمراء وأنباء عن اشتداد الأوضاع، مشاهد الأشلاء على شاشات التلفاز تبث وتذاع، استشهاد ابن اختي، رمضان حزين وعيد جريح، جربت النزوح وقصدت مسالك الهجرة، جميع ما ذكرته كان مؤلما ولكنه لم يكن مؤلما مقارنة برؤية أطفالي الأربعة الذي فنيت عمري في تربيتهم أشلاء أمامي”.

يختنق صوت محمد الحديدي وهو يصف أحداث آخر أيام قضاها برفقة زوجته وأطفاله، ويضيف: “استيقظت زوجتي قبل ليلة من استشهادها وقالت بصوت عال “القيامة قامت القيامة قامت” وانهارت بالبكاء، كان استهدافا لبرج قريب من منزلنا، احتضنت أطفالي وزوجتي وحاولت تهدئتهم قدر الإمكان بأن الاستهدافات هي ألعاب نارية أو غارات وهمية ولكن أطفالي كبار ويفهمون معنى الحرب جيدا”.

في اليوم الخامس من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، ازدادت معاناة السكان المدنيين العزل خصوصا في المناطق المتاخمة للأحداث، حيث تركز القصف الإسرائيلي على المناطق المأهولة بالسكان والتي تعاني من انهيار في البنية التحتية وافتقار إلى أبسط مقومات الحياة، وفي اليوم الرابع للعملية العسكرية قام جيش الاحتلال الإسرائيلي بنشر المدفعية والتي تتناوب مع الطيران الحربي في قصف مناطق عديدة وهدم البيوت دون سابق إنذار والغارات المتكررة برا وبحرا وجوا دون احترام لحقوق المدنيين في الحروب خصوصا أن شبكة البنايات في قطاع غزة تفتقر إلى الملاجئ أو مراكز للإيواء، يذكر الحديدي.

نيران الصواريخ

استيقظ الفلسطينيون في قطاع غزة فجر يوم 15 مايو 2021 على نبأ مجزرة عائلة أبو حطب والحديدي في حي الشاطئ، وارتكب الاحتلال مجزرة بحق هؤلاء الأبرياء، حيث أدت الصواريخ لاستشهاد  26 فلسطينيا غالبيتهم من النساء والأطفال دون سابق إنذار ولم ينجو سوى طفل رضيع عمره 5 أشهر ونصف كان بحضن والدته المتوفية، حيث عمدت قوات الاحتلال الإسرائيلي على استهداف المدنيين من خلال تدمير الأبراج السكنية التي أصبح ساكنوها بلا ملجأ، واستهدف الاحتلال المنازل التي هدمت فوق رؤوس سكانها دون سابق إنذار”.

يتابع الحديدي حديثه: “يوم 14  مايو العام الماضي كان ثاني أيام عيد الفطر، ارتدوا أطفالي الخمسة ملابس العيد التي كانت والدتهم قد قامت بتجهيزها لهم استقبالا للعيد، ولكنه كان عيدا ملطخا بالدماء والشهداء واندلاع حرب رابعة على قطاع غزة، فبعد أن ارتدوا ملابسهم أصروا على أن يذهبوا لبيت خالهم “عائلة أبو حطب” ولكني كنت خائفا جدا فالوضع متوتر في كل مكان والاستهدافات  قريبة جدا، ولكنهم أصروا على الذهاب إلى بيت خالهم الذي يبعد عن بيتي 500 متر فقط، وبعد مضض وافقت على الذهاب ولكن بشرط  تقسيم أنفسهم خوفا من الاستهداف والارتقاء معا، ولكني لم أكن اعلم بأنهم ذاهبون لقضاء آخر ساعات بعمرهم قبل أن تستهدفهم غارة إسرائيلية”.

ويوضح قائلا: “فجر يوم 15 مايو فوجئ سكان الشاطئ بالقذائف تنهمر عليهم من كل حدب وصوب، كثافة القصف واشتداده  روعت المدنيين، وبعد يوم حافل بالقصف الجوي والمدفعي الثقيل، قمت مسرعا أحاول التأكد من مكان الاستهداف، كانت سيارات الإسعاف في كل مكان، وكانت الصدمة عندما وجدت عائلة زوجتي هي المستهدفة ب 8 صواريخ، وهرعت أبحث عن أبنائي بين الأشلاء والدماء، وهناك وجدتهم جميعهم قد ارتقوا شهداء وكانت من أشد لحظات حياتي فتمنيت لو توقف العمر قبل أن أرى هذا المشهد، ولكني وجدت الله قد ترك لي معجزة من السماء وهي طفلي الناجي الوحيد من هذه المجزرة “عمر”، فبعد استهداف ثلاثة طوابق بـ 8 صواريخ من أقوى أنواع الصواريخ ما زال طفلي ينبض قلبه بالحياة”.

ذكريات موحشة

ويصف الحديدي هذا العام من رمضان قائلا: لم أقضي يوما واحدا في منزلي خلال رمضان الجاري، لأن كل ركن في المنزل يذكرني بالماضي ويبكيني، فأطفالي الأربعة صهيب (13عامًا)، ويحيى (11 عامًا)، وعبد الرحمن (8 سنوات)، وأسامة (6 سنوات) كانوا يملأون البيت فرحا وسرورا، ففي كل رمضان كنت أتسوق لعائلتي  الفوانيس وثياب العيد وتجهيزات المنزل من حاجيات وزينة رمضانية، كل رمضان كانوا بالمنزل يزينونه، وكانوا يصومون جميع أيام رمضان رغم صغر سنهم ويجهزون السفرة مع والدتهم يوميا، فما زلت أذكر صوت  الصحون والمعالق على طاولة المائدة قبل آذان المغرب في رمضان، ولهذا العام اجلس انا وطفلي وحدنا.

يأخذ الحديدي نفسا طويلا ومن ثم يتابع: “رمضان الماضي كان صهيب يشتري القطايف ويحيى وعبد الرحمن يرتبان السفرة وأنا كنت أساعد زوجتي بالمطبخ، وبعد آذان العشاء كانوا يأتون معي ويرافقونني لصلاة التراويح بالمسجد.

ورغم رحيلهم إلا أن زينة رمضان التي وضعها أبناء الحديدي ما زالت تملأ المنزل منذ العام الماضي، وصورهم كعائلة تملأ المكان.

يختتم الحديدي حديثه: “والدتي لم تعلم حتى الآن بخبر استشهاد أبنائي فقد أصيبت بجلطة دماغية حادة وحالتها الصحية لا تتحمل هول هذه الفاجعة، يوميا أذهب لتقبيل يديها فتبادر بسؤالي عن أطفالي الصغار، فأخبرها بأنهم ما زالوا مسافرين مع والدتهم للخارج، وأخبرتها أن عمر الناجي الوحيد بينهم لا يمكنه السفر”.

ناجية وحيدة 

مريم صالحة سيدة خمسينية مشهورة ببيع القطائف داخل الأسواق، استهدف الاحتلال منزلها في الحرب الأخيرة، الذي كانت تعيش فيه وأطفالها الخمسة وابنها البكر وزوجته وأطفاله، ولكن نجت وأطفالها الخمسة من الاستهداف إذ لم يكونوا في المنزل، إلا ابنها (35 عاما) وزوجته وأطفاله الذين ارتقوا في غارة إسرائيلية.

تقول مريم وهي ترتب القطائف: “الحرب الموجعة قتلت ابني وعائلته، فحفيدتي ذات الأربع سنوات نغم أتذكرها كثيرا وهي تلهو هنا وهناك داخل المنزل، وتأتي مسرعة لاحتضاني، كانت طفلة صغيرة تلهو، ولكن يوم استشهادها خرجت جثة متفحمة محروقة بالكامل من آثار الصواريخ الإسرائيلية،  أما ابني اياد  فأخر أيام قبل استشهاده ما زلت أتذكر كيف كان يحاول إسعادي لأنسى مشاهد الحرب ولكني لم أكن أعلم بأنها كانت لحظات الوداع قبل أن يفارقني هو وعائلته”.

إفطار فوق الركام

وتتابع صالحة: “بعد استهداف منزلنا، أخذت أطفالي الخمسة وذهبت لأبحث عن منزل للإيجار، وعدت للعمل في بيع القطائف رغم هول الفاجعة علي، فلا يوجد عمل آخر يعيلنا، في بداية رمضان هذا العام ذهبت وأخذت أغراضي لأبدأ بصنع القطائف والجميع تفاجأ بوجودي حيث كانوا يظنوني استشهدت.

أما محمد فياض الرجل الخمسيني والذي قامت طائرات الاحتلال بتدمير منزله بالكامل في بيت حانون  يقول: “أشعر بالاختناق والضيق والحزن الشديد، فمنزلي مساحته كبيرة و له إطلالة على طبيعة خضراء مزروعة بالمحاصيل الزراعية، فأنا مزارع وأحب الزرع والطبيعة ولكن الاحتلال قام بتدمير منزلي بالكامل في 14 مايو 2021 وحرمتني الحرب من منزلي الكبير ومحاصيلي المثمرة، هذا العام جدا كئيب وحزين، وعائلتي المكونة من 11 فردا أصرت على أخذ الطعام والذهاب للإفطار فوق المنزل المدمر ولكني رفضت مشاركتهم حتى إعادة إعمار منزلي”.

وأدى العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة في مايو 2021 إلى استشهاد 232 فلسطينيًا، بينهم 65 طفلًا، و39 سيدة، و17 مسنًا، وإصابة 1900، ونزوح 75 ألفًا، وتدمير 1447 وحدة سكنية، و68 مدرسة، و490 منشأة زراعية.

نقلاً عن شبكة قدس الإخبارية

زر الذهاب إلى الأعلى
تلفزيون المدينة

مجانى
عرض